استراتيجية ‘الاكتفاء الذاتي’ تحمي الصين من صدمة الطاقة وسط الحرب الأمريكية على إيران

7 أبريل 2026آخر تحديث :
استراتيجية ‘الاكتفاء الذاتي’ تحمي الصين من صدمة الطاقة وسط الحرب الأمريكية على إيران

أظهرت التطورات الميدانية في الأسبوع السادس للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن الصين نجحت في بناء درع اقتصادي متين مكنها من تجاوز صدمة الطاقة التي هزت الأسواق العالمية. ورغم أن بكين ليست طرفاً مباشراً في النزاع العسكري، إلا أنها كانت الأكثر استعداداً لمواجهة تداعيات إغلاق الممرات المائية الحيوية، مستندة إلى خطط استراتيجية وضعت منذ سنوات.

وعملت الحكومة الصينية على تكثيف عمليات تخزين النفط الخام وبناء احتياطيات طوارئ ضخمة، بالتوازي مع تسريع وتيرة الاستثمار في قطاعات الطاقة الشمسية والرياح. هذا التوجه ساهم بشكل مباشر في خفض الطلب المحلي على الوقود المكرر والديزل، مما جعل الاقتصاد الصيني أقل عرضة للابتزاز أو النقص المفاجئ في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

واعتبرت القيادة الصينية أن قطاع الصناعات التحويلية يمثل الركن الأساسي للأمن القومي، وهو توجه تعزز منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد دفعت الضغوط التجارية السابقة بكين نحو تبني سياسات دعم الصناعة المحلية، مما أدى إلى هيمنتها الحالية على موارد وسلاسل التوريد العالمية في مجالات حيوية.

وأفادت مصادر أكاديمية بأن بكين انتهجت سياسات صناعية مركزية بتوجيهات مباشرة من الحكومة لتطوير قطاعات استراتيجية تضمن عدم خضوعها لسيطرة القوى الغربية. وشكل قطاع الطاقة الركيزة الأساسية لهذه الرؤية، حيث تحولت الصين من أكبر مستورد للمواد البتروكيماوية إلى منتج مهيمن يعتمد على بدائل محلية.

وفي ظل استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، الذي يعد الشريان الرئيسي لتدفق النفط إلى القارة الآسيوية، أظهرت الصين قدرة استثنائية على التكيف مقارنة بجيرانها. فبينما تعاني دول مثل فيتنام والفلبين من نقص حاد في الطاقة، تواصل الصين تشغيل شبكاتها الواسعة من القطارات والسيارات الكهربائية بكفاءة عالية.

وتعتمد الاستراتيجية الصينية الحالية بشكل كبير على استغلال الفحم المحلي لإنتاج مواد كيميائية أساسية مثل الميثانول والأمونيا، وهو تحول تقني كان قد استُخدم تاريخياً في ظروف الحروب. هذا الاعتماد على الفحم وفر لبكين بديلاً آمناً عن النفط المستورد، وضمن استمرارية الإنتاج في المصانع الكبرى دون توقف.

وأشارت تقارير إلى أن فيتنام والفلبين لجأتا رسمياً إلى بكين لطلب المساعدة في تأمين احتياجاتهما من الطاقة الشهر الماضي، وهو ما استجابت له الخارجية الصينية بالترحيب. وأكدت بكين استعدادها لتعزيز التنسيق مع دول جنوب شرق آسيا لمعالجة قضايا أمن الطاقة بشكل مشترك، مما يعزز نفوذها الإقليمي في وقت الأزمات.

كل ما يفعله ترامب يحفز بكين على الاعتماد على الذات بشكل أكبر، وقد أثبتت السياسات الصناعية المركزية نجاعتها في حماية أمننا القومي.
وتعود جذور هذه الجاهزية إلى عام 2004، عندما بدأ المسؤولون الصينيون في إنشاء مخزونات طوارئ نفطية بسبب المخاوف من إغلاق مضيق ملقا. وقد تضاعفت هذه الجهود في الأشهر الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب، حيث تم ملء الخزانات الاستراتيجية إلى مستويات قياسية غير معلنة رسمياً.

وعلى صعيد الصناعات الكيميائية، انتقلت الصين من الاعتماد على الشركات الأجنبية الكبرى في التسعينيات إلى الهيمنة الكاملة على الإمدادات العالمية. وتنتج المصانع الصينية حالياً نحو ثلاثة أرباع احتياجات العالم من البوليستر والنايلون، مما يجعل العالم معتمداً على إنتاجها حتى في ظل الاضطرابات العسكرية.

ورغم أن الصين لا تزال تستورد نحو 75% من احتياجاتها النفطية، إلا أن الدعم الحكومي الهائل للسيارات الكهربائية بدأ يؤتي ثماره بشكل ملموس. وقد سجل الطلب على البنزين والديزل تراجعاً لعامين متتاليين، مما يشير إلى أن استهلاك النفط في الصين قد وصل بالفعل إلى ذروته وبدأ في الانخفاض التدريجي.

ويرى خبراء دوليون أن سياسات ترامب التصعيدية، سواء في ولايته الأولى أو تهديداته الحالية، كانت المحفز الأكبر للصين لتحقيق الاكتفاء الذاتي. فكل ضغط أمريكي كان يقابله رد فعل صيني يتمثل في زيادة الاستثمار في التكنولوجيا المحلية وتقليل الارتباط بالنظام المالي أو الطاقي الذي تسيطر عليه واشنطن.

وفي تحول لافت عن السياسات البيئية السابقة، دعا رئيس الوزراء الصيني إلى العودة لاستخدام الفحم بكثافة لتوليد الكهرباء وتأمين الصناعات الكيميائية. وجاء هذا القرار كخطوة استباقية لمواجهة أي انقطاع في سلاسل التوريد العالمية، خاصة بعد الدروس المستفادة من أزمة جائحة كوفيد-19 والتوترات مع الغرب.

وتشير الأرقام إلى أن استهلاك الفحم في الصناعات الكيميائية الصينية قفز من 155 مليون طن في 2020 إلى 276 مليون طن في 2024، مع زيادة إضافية بنسبة 15% في 2025. هذا الرقم يتجاوز إجمالي استهلاك الولايات المتحدة من الفحم، مما يعكس حجم التحول الصيني نحو تأمين المواد الخام محلياً.

ختاماً، يرى مراقبون أن الصين باتت في موقع القوة المهيمنة حتى قبل اندلاع الصراع الحالي في الشرق الأوسط، وأن الحرب لم تكن سوى اختبار لنجاعة خططها. ومن المرجح أن تدفع هذه الأزمة بكين نحو مزيد من الانغلاق الإنتاجي وتحقيق استقلالية كاملة بعيداً عن الممرات المائية التي تسيطر عليها القوى العظمى أو تشهد نزاعات مسلحة.