تستأنف العاصمة الأمريكية واشنطن، اليوم الخميس، جولة ثالثة من المباحثات غير المباشرة بين بيروت وتل أبيب، بهدف الوصول إلى صيغة مستدامة لوقف إطلاق النار. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في وقت حساس للغاية، حيث يواجه اتفاق التهدئة خطر الانهيار الوشيك نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة التي لم تتوقف رغم التفاهمات المعلنة.
وشهدت الساعات التي سبقت انطلاق المفاوضات تصعيداً ميدانياً عنيفاً، حيث ارتكبت القوات الإسرائيلية مجازر جديدة في لبنان أسفرت عن استشهاد 22 مواطناً، من بينهم ثمانية أطفال. وأكدت مصادر رسمية أن الطيران الحربي نفذ سلسلة غارات مكثفة استهدفت نحو 40 موقعاً توزعت بين مناطق الجنوب والبقاع، مما يعقد المشهد التفاوضي ويزيد من حالة الاحتقان.
وتسعى الإدارة الأمريكية من خلال هذه الجولة إلى إنقاذ الهدنة التي كان الرئيس دونالد ترمب قد أعلن تمديدها لثلاثة أسابيع خلال لقاء سابق في البيت الأبيض. ورغم تفاؤل ترمب بإمكانية صياغة “اتفاق تاريخي”، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى فجوة واسعة بين الطموحات السياسية والواقع الأمني المتدهور الذي يحصد أرواح المدنيين يومياً.
من جانبه، وضع الرئيس اللبناني جوزيف عون شروطاً واضحة للمضي قدماً في المسار السياسي، مشدداً على أن أي لقاءات رمزية أو قمم مشتركة يجب أن يسبقها تثبيت فعلي للاتفاق الأمني. وأوضح عون أن الأولوية القصوى حالياً هي وقف الهجمات الإسرائيلية وضمان حماية السيادة اللبنانية قبل الحديث عن أي ترتيبات دبلوماسية أوسع نطاقاً.
وفي سياق متصل، تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية إلى حصيلة ثقيلة من الضحايا منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في منتصف أبريل الماضي. فقد سجلت المصادر الطبية استشهاد أكثر من 400 شخص خلال فترة الهدنة المفترضة، مما يرفع إجمالي ضحايا المواجهات منذ اندلاعها إلى قرابة 2900 شهيد وآلاف الجرحى.
الأولوية اللبنانية تتمثل في وضع حد لمسلسل الموت والدمار وترسيخ وقف إطلاق النار بشكل فعلي على الأرض.
وعلى الجانب الإسرائيلي، يتبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطاباً تصعيدياً، حيث أكد في تصريحات أعقبت اغتيال قيادي في حزب الله بالضاحية الجنوبية أنه لا توجد حصانة لأي طرف يهدد أمن إسرائيل. هذا الموقف المتشدد يعكس رغبة تل أبيب في فرض شروط ميدانية جديدة تحت غطاء المفاوضات، وهو ما ترفضه بيروت جملة وتفصيلاً.
وتدخل القوى الإقليمية على خط الأزمة، حيث طالبت إيران بضرورة التوصل إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار في لبنان كشرط أساسي لأي تسوية إقليمية أوسع. هذا المطلب قوبل بامتعاض من الإدارة الأمريكية، التي تحاول حصر التفاوض في المسار اللبناني وفق رؤيتها الخاصة التي تخدم مصالح حلفائها في المنطقة.
أما الرؤية الأمريكية للحل الشامل، فقد لخصتها وزارة الخارجية بربط السلام باستعادة الدولة اللبنانية لسلطتها الكاملة ونزع سلاح حزب الله بشكل نهائي. وتعتبر واشنطن أن الجولات الحالية تهدف إلى تصحيح ما وصفته بـ “النهج الفاشل” الذي سمح للفصائل المسلحة بتعزيز نفوذها على حساب مؤسسات الدولة الرسمية خلال السنوات الماضية.
ويغيب عن هذه الجولة المفصلية الرئيس ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو بسبب ارتباطهما بزيارة رسمية إلى الصين، لكنهما أوكلا المهمة لفريق دبلوماسي متخصص. ويقود الوساطة حالياً سفير واشنطن لدى إسرائيل مايك هاكابي، والسفير لدى لبنان ميشال عيسى، بمشاركة مستشارين مقربين من دوائر صنع القرار في البيت الأبيض.
ويمثل الوفد اللبناني في هذه المباحثات المبعوث الخاص سيمون كرم، الذي يحمل ملفات تقنية وأمنية تتعلق بالخروقات الإسرائيلية المستمرة. وفي المقابل، يترأس الوفد الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر، وهو شخصية مقربة من نتنياهو ومعروفة بدعمها للمشاريع الاستيطانية، مما يضفي طابعاً معقداً على طبيعة النقاشات المرتقبة في أروقة واشنطن.












