أعلن المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، عن توصل الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة أنصار الله (الحوثيين) إلى اتفاق يقضي بتنفيذ أكبر عملية تبادل للأسرى والمعتقلين منذ بدء النزاع. وجاء هذا الإعلان عقب جولة مفاوضات مكثفة احتضنتها العاصمة الأردنية عمان، واستمرت لمدة تسعين يوماً من المباحثات المباشرة وغير المباشرة.
وأكدت مصادر أممية أن الاتفاق يشمل الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز من الطرفين، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث العدد والنوعية. وتأتي هذه النتائج كثمرة لـ 14 أسبوعاً من العمل الدؤوب الذي بدأ في العاصمة السعودية الرياض وانتقل لاحقاً إلى الأردن لضمان الوصول إلى تفاهمات نهائية حول القوائم.
من جانبه، أوضح الوفد الحكومي أن ما تم التوصل إليه يمثل المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق ‘مسقط 2’، والذي كان قد نص سابقاً على الإفراج عن نحو 2900 أسير. وأشارت المصادر إلى أن هذه الجولة أرست أطراً تقنية وإجرائية متينة لتبادل الكشوفات وتعزيز مسار التفاهم بين الأطراف المتنازعة.
وفي تفاصيل الأرقام، أعلنت جماعة الحوثي أن الاتفاق يشمل 1100 أسير من طرفها مقابل 580 من الطرف الآخر، مؤكدة أن القائمة تضم 27 أسيراً من قوات التحالف. وتتوزع أعداد أسرى التحالف بين 7 سعوديين و20 سودانياً، وهو ما أكدته أيضاً البيانات الصادرة عن الجانب الحكومي والتحالف العربي.
واعتبر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ أن هذه اللحظة تمثل ارتياحاً كبيراً لآلاف العائلات اليمنية التي طال انتظارها لعودة ذويها. وأشاد غروندبرغ بشجاعة العائلات وانخراط الأطراف بحسن نية في المفاوضات، رغم التعقيدات الإقليمية الاستثنائية التي تحيط بالملف اليمني في الوقت الراهن.
وشدد البيان الأممي على أن الاتفاق يثبت قدرة الأطراف على تلبية الأولويات الإنسانية وبناء الثقة اللازمة لخدمة العملية السلمية الأشمل في البلاد. كما حث المبعوث الأطراف على البناء على هذه النتائج وتنفيذ المزيد من عمليات الإفراج، بما في ذلك المبادرات أحادية الجانب لتعزيز الأجواء الإيجابية.
وفيما يخص ملف المعتقل السياسي محمد قحطان، نص الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة بمشاركة أسرته للتوجه إلى صنعاء والتحقق من مصيره بشكل مباشر. وستتم هذه الخطوة بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر كوسيط محايد، وذلك كشرط يسبق البدء الفعلي في تنفيذ عملية إطلاق سراح المحتجزين المتفق عليهم.
هذا الاتفاق يمثل دليلاً واضحاً على ما يمكن أن تحققه المفاوضات المستمرة والجادة، ويثبت قدرة الأطراف على بناء الثقة لخدمة العملية السلمية.
كما تضمن الاتفاق بنداً يقضي بإجراء زيارات متبادلة للسجون وأماكن الاحتجاز لدى كافة الأطراف في مرحلة ثانية تلي عملية التبادل. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان الوصول إلى جميع المحتجزين المتبقين والتحقق من أوضاعهم الإنسانية والقانونية وفقاً للمعايير الدولية.
وأعرب المبعوث الأممي عن تضامنه العميق مع كافة المحتجزين تعسفياً، بمن فيهم موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. وأكد أن الجهود ستستمر لضمان إطلاق سراح جميع من تم احتجازهم خارج إطار القانون، مشدداً على ضرورة الالتزام بمبدأ ‘الكل مقابل الكل’ الذي أقره اتفاق ستوكهولم.
ويستند هذا التقدم الجديد إلى جولة مفاوضات سابقة عُقدت في سلطنة عمان خلال ديسمبر 2025، والتي وضعت الخطوط العريضة لعمليات التبادل الكبرى. وقد نجحت الأطراف في تجاوز العقبات التقنية التي واجهت الجولات الثامنة والتاسعة، لتصل إلى هذا الانفراج الملموس في الملف الإنساني الشائك.
من جهتها، أعلنت اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التابعة للحوثيين أن التنفيذ الميداني للاتفاق سيبدأ فور استكمال الإجراءات اللوجستية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ومن المتوقع أن تستغرق هذه الإجراءات عدة أسابيع لترتيب عمليات النقل الجوي والبري للمفرج عنهم إلى مناطق سكنهم.
وعبر كبير مفاوضي جماعة الحوثي، محمد عبد السلام، عن تقديره لجهود المبعوث الأممي وسلطنة عمان والأردن في تسهيل هذه الجولة من المفاوضات. وأكد الالتزام بما تم التوقيع عليه في الكشوفات الأخيرة، معتبراً ذلك خطوة هامة نحو إغلاق ملف الأسرى بشكل كامل في المستقبل.
ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق يمنح اليمنيين أملاً جديداً في إمكانية إنهاء الحرب العبثية والتوجه نحو تسوية سياسية شاملة. فبالرغم من التعثرات السابقة، إلا أن حجم الصفقة الحالية يشير إلى وجود إرادة سياسية حقيقية لتخفيف المعاناة الإنسانية الناتجة عن الصراع المستمر منذ سنوات.
يُذكر أن ملف الأسرى يعد من أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة اليمنية، حيث لم تنجح سوى صفقات محدودة في عامي 2020 و2023. وتأتي هذه الصفقة الكبرى لتعيد الزخم لاتفاق ستوكهولم لعام 2018، الذي تعهدت فيه الأطراف بالإفراج عن جميع المحتجزين المرتبطين بالنزاع دون استثناء.













