بيان مفاجئ لوزارة الدفاع التونسية حول ‘الحياد’ يثير جدلاً واسعاً وتساؤلات عن صراعات خفية

22 مايو 2026آخر تحديث :
بيان مفاجئ لوزارة الدفاع التونسية حول ‘الحياد’ يثير جدلاً واسعاً وتساؤلات عن صراعات خفية

شهدت الساحة السياسية في تونس حالة من الجدل الواسع عقب صدور بيان رسمي ومفاجئ عن وزارة الدفاع الوطني، أكدت فيه تمسك المؤسسة العسكرية بوقوفها على مسافة واحدة من الجميع. وشددت الوزارة في بيانها الصادر يوم الخميس على أن الجيش يرفض بشكل قاطع محاولات الزج به وبقياداته في أتون التجاذبات والمزايدات السياسية القائمة في البلاد.

وأوضحت الوزارة أن هذه الخطوة تأتي رداً على ما وصفته بتواتر محاولات التشكيك في حياد المؤسسة العسكرية واستقلاليتها خلال الآونة الأخيرة. وأشارت إلى أن الجيش التونسي يظل مؤسسة جمهورية منضبطة تضع حماية الوطن وسيادته ووحدة ترابه فوق كل اعتبار، مع الالتزام التام بالقوانين والتراتيب العسكرية المنظمة.

هذا الموقف الرسمي لم يمر مرور الكرام، حيث أثار ردود فعل متباينة وتساؤلات عميقة من قبل سياسيين وحقوقيين حول الدوافع الحقيقية لإصدار مثل هذا البيان في هذا التوقيت بالذات. واعتبر مراقبون أن لغة البيان تحمل في طياتها إشارات إلى وجود ضغوط أو محاولات استقطاب غير معلنة تجري خلف الكواليس السياسية.

من جانبه، صرح المحامي محمد المستيري، رئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمهدية، بأن مضامين البيان تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات واضحة للرأي العام. وأكد المستيري أن النقاش العام في تونس لم يشهد مؤخراً أي سجال جدي أو مباشر يستهدف دور المؤسسة العسكرية، مما يجعل صدور التحذير أمراً يكتنفه الغموض.

وأضاف المستيري أن غياب التجاذب العلني حول الجيش يجعل من هذا البلاغ أمراً غريباً، وكأنه يحذر من خطر غير مرئي أو غير مطروح فعلياً على الساحة الوطنية. وتساءل عن الرسالة الحقيقية التي ترغب الوزارة في إيصالها، ومن هي الجهات المقصودة بالتحذير من محاولات الزج بالمؤسسة في الصراعات.

وفي سياق متصل، تساءل الناشط السياسي نور الدين محمد الغيلوفي عن ماهية الأطراف التي يطلب البيان الحياد بينها في الوقت الراهن. وأشار الغيلوفي إلى أن الحديث عن الحياد يفترض وجود قطبين أو جهات متصارعة تحاول كسب ود المؤسسة العسكرية، وهو ما يفتح الباب أمام تكهنات بوجود أزمة صامتة داخل أجهزة الدولة.

بدوره، لفت الصحفي بسام بونني إلى أن السياسة الاتصالية لوزارة الدفاع التونسية اتسمت تاريخياً بالابتعاد التام عن الشأن العام وعدم التعليق على الأحداث السياسية. وأوضح أن خروج الوزارة عن صمتها ببيان رسمي يعد خرقاً لتقاليدها المعهودة، وهو ما يستوجب التوقف عنده لفهم المتغيرات التي دفعت نحو هذا التغيير في السلوك الإعلامي.

الجيش الوطني هو جيش جمهوري قائم على الانضباط ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله في التزام تام بالحياد.
واستذكر بونني حالات نادرة تدخلت فيها القيادات العسكرية في المشهد، مثل ظهور رئيس الأركان الأسبق رشيد عمار بعد ثورة يناير لتهدئة الشارع التونسي. واعتبر أن العودة للحديث في الشأن العام عبر القنوات الرسمية للوزارة قد يكون مؤشراً مثيراً للقلق لدى الكثير من المتابعين للشأن التونسي، نظراً لحساسية دور الجيش.

ويرى محللون أن البيان قد يكون استباقاً لتحركات سياسية معينة أو رداً على تسريبات لم تصل بعد إلى العلن حول دور المؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة. وتتزايد المخاوف من أن تكون تونس مقبلة على مرحلة من الاستقطاب الحاد الذي قد يحاول فيه كل طرف الاحتماء بشرعية المؤسسات السيادية.

كما أشار نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن صياغة البيان توحي بوجود ‘أشياء تجري في الخفاء’ لم تطلع عليها الجماهير بعد. واعتبروا أن المؤسسة العسكرية، بوقوفها هذا الموقف، تحاول تحصين نفسها من أي تداعيات قد تنتج عن الصراعات السياسية المحتدمة بين السلطة والمعارضة.

وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ سياسي مشحون تعيشه تونس، حيث تتصاعد الانتقادات الموجهة للمسار السياسي الحالي والمطالبات بضمان استقلالية مؤسسات الدولة. ويخشى مراقبون أن يؤدي إقحام اسم الجيش في البيانات الرسمية إلى زيادة حالة الضبابية التي تسيطر على المشهد العام في البلاد.

وشددت مصادر مطلعة على أن الجيش التونسي حافظ تاريخياً على عقيدة عسكرية تمنعه من التدخل في الحكم أو الانحياز لأي طرف سياسي. إلا أن صدور هذا البيان يضع هذه العقيدة تحت مجهر الفحص الشعبي والسياسي، وسط تساؤلات عن مدى تعرض هذه المبادئ لضغوط حقيقية في الوقت الراهن.

وفي ختام القراءات السياسية للبيان، يبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان هذا الموقف هو مجرد إجراء وقائي روتيني أم أنه يعكس أزمة ثقة عميقة بين المؤسسات. وتنتظر الأوساط السياسية أي توضيحات إضافية قد تصدر عن الجهات الرسمية لتبديد المخاوف بشأن استقرار المسار الديمقراطي والجمهوري.

وختاماً، يظل ملف علاقة العسكر بالسياسة في تونس من أكثر الملفات حساسية، حيث يفتخر التونسيون بمهنية جيشهم وابتعاده عن الانقلابات. ويأمل الشارع التونسي أن يظل هذا البيان مجرد تأكيد على الثوابت وليس إيذاناً بدخول البلاد في نفق جديد من الصراعات التي قد تطال أعمدة الدولة الأساسية.