تصعيد إقليمي: تداعيات الضربات الأميركية السعودية على مواقع الحشد الشعبي في العراق

31 يوليو 2026آخر تحديث :
تصعيد إقليمي: تداعيات الضربات الأميركية السعودية على مواقع الحشد الشعبي في العراق

يجد العراق نفسه مجدداً في عين العاصفة الإقليمية، حيث تداخلت خيوط الصراع الدولي على أرضه عقب تنفيذ ضربات جوية أميركية سعودية استهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي. هذه التطورات تأتي في لحظة شديدة التعقيد، تثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم السيادة الوطنية وقدرة الدولة على حصر السلاح في مؤسساتها الرسمية.

وفي الوقت الذي أكدت فيه واشنطن أن العمليات العسكرية جرت بتنسيق مسبق مع الحكومة العراقية، سارعت بغداد إلى إدانة القصف واعتبرته خرقاً لسيادتها. هذا التناقض في الروايات الرسمية يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها الدولة العراقية في موازنة علاقاتها بين القوى الدولية والفصائل المحلية.

من جانبه، وصف الخبير الأمني والعسكري اللواء جواد الدهلكي هذه الضربات بأنها ‘إستراتيجية’ بامتياز، مشيراً إلى أنها لم تستهدف مواقع عسكرية فحسب، بل أصابت الشراكة الاقتصادية بين بغداد وواشنطن في مقتل. ويرى الدهلكي أن التوقيت يهدف إلى تقويض برامج حكومية طموحة كانت تسعى لتعزيز التعاون الثنائي.

ونفى الدهلكي بشكل قاطع الرواية التي تتحدث عن انطلاق هجمات من العراق تجاه المنشآت النفطية السعودية في ليلة 27-28 يوليو الجاري. وأكد بناءً على معلومات أمنية دقيقة أنه لم تخرج طلقة واحدة باتجاه الجارة الجنوبية، مما يفتح الباب أمام فرضيات وجود أطراف خفية تسعى لتأجيج الصراع.

وأشار الخبير الأمني إلى افتقار العراق لآليات الكشف المبكر التي تمكنه من تحديد هوية الفاعلين الحقيقيين في مثل هذه الأزمات المعقدة. وحذر من وجود محركات خارجية تضبط إيقاع التوترات الحدودية، مستشهداً بوقائع سابقة تتعلق باختراقات أمنية في مناطق صحراوية غربي البلاد.

وفي سياق التحليل السياسي، يرى الدكتور أسامة السعيدي أن الرد العسكري المشترك يحمل رسائل سياسية تتجاوز الأهداف الميدانية المباشرة. وأوضح أن الأعراف الدولية تفرض اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية والمنظمات الإقليمية قبل الإقدام على خطوات عسكرية خشنة بين الدول الجارة.

الضربة تعني عدم الرغبة باستقبال رئيس وزراء العراق في هذا الظرف، وهي تحمل أبعاداً سياسية أكثر منها عسكرية.
واعتبر السعيدي أن التوقيت كان يمكن تأجيله لو كانت هناك نوايا للحل السلمي، خاصة مع اقتراب موعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض. ويرى أن تنفيذ الضربة قبيل لقاء ولي العهد السعودي يعكس رغبة في إيصال رسالة سلبية تجاه القيادة السياسية الحالية في بغداد.

من جهة أخرى، وصف حامد السيد، القيادي في تيار الخط الوطني، الضربات بأنها عدوان مرفوض يستهدف دماء العراقيين تحت ذرائع غير مبررة. وأكد أن الضحايا من منتسبي الحشد الشعبي يدفعون ثمن صراعات تتجاوز إرادتهم، محذراً من استمرار هذا النزيف البشري والمادي.

وانتقد السيد بشدة حالة ‘العبث والفوضى’ الناتجة عن وجود سلاح لا يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، مما يعطي مبررات للقوى الخارجية للتدخل. واعتبر أن التبجح باستهداف مصالح دول الجوار يضع الدولة العراقية في حرج دائم أمام التزاماتها الدولية وشراكاتها الأمنية.

وشدد القيادي العراقي على أن الحل الوحيد لوقف هذه الاعتداءات يكمن في توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة الدستور والقانون فقط. ويرى أن تعدد مراكز القرار العسكري يجعل من الساحة العراقية ميدانًا مفتوحًا لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على حساب دماء المتطوعين.

وتشير التقارير إلى أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تجميد العديد من الملفات الدبلوماسية بين بغداد والرياض، والتي شهدت تحسناً ملحوظاً في الآونة الأخيرة. ويخشى مراقبون من أن يتحول العراق إلى ساحة حرب استنزاف طويلة الأمد إذا لم يتم تدارك الموقف عبر حوار وطني شامل ينهي أزمة السلاح المنفلت.

يبقى التساؤل القائم في الشارع العراقي حول مدى قدرة الحكومة على استعادة قرارها الوطني بعيداً عن ضغوط المحاور المتصارعة. فبين مطرقة الضربات الخارجية وسندان الانقسام الداخلي، يواجه العراق اختباراً مصيرياً لتحديد موقعه على خارطة الشرق الأوسط الجديد.