أصدرت السلطات القضائية العراقية، ممثلة بمحكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية في بغداد، مذكرة قبض وتفتيش رسمية بحق وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق، أحمد جاسم صابر الأسدي. ويأتي هذا الإجراء القضائي الصارم في إطار جهود الدولة لملاحقة ملفات تضخم الأموال والكسب غير المشروع التي طالت كبار المسؤولين في الحكومات السابقة.
واستند قرار المحكمة إلى شكوى رسمية قدمتها هيئة النزاهة الاتحادية، حيث وُجهت للوزير السابق تهمة العجز عن إثبات المصادر المشروعة للزيادة الكبيرة في ثروته. وقد خولت الجهات القضائية أعضاء الضبط القضائي وأجهزة الشرطة بمباشرة تنفيذ أمر القبض فوراً لضمان سير التحقيقات القانونية في هذه القضية الحساسة.
وفي تطور متصل، تقدم القضاء العراقي بطلب رسمي إلى مجلس النواب لرفع الحصانة القانونية عن النائب ناظم محمد دويج الأسدي. ويهدف هذا الطلب إلى تمكين المحققين من اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقه، على خلفية تحقيقات موسعة تتعلق بشبهات فساد في عقود أبرمتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية خلال الفترة الماضية.
وكشفت الوثائق القضائية الصادرة عن محكمة استئناف بغداد الكرخ عن وجود اتفاق سري بين النائب والوزير السابق لتأسيس شركة تجارية تحت مسمى ‘التدامل للتجارة العامة وتكنولوجيا المعلومات’. وقد تم تسجيل هذه الشركة باسم أحد أفراد طاقم الحماية الخاص بالنائب للتمويه على الملكية الحقيقية والتهرب من الرقابة القانونية.
وأوضحت المحكمة أن الهدف الرئيسي من تأسيس هذه الشركة كان الانتفاع المباشر من العقود الحكومية التي تبرمها وزارة العمل وإحالتها لصالح الشركة بشكل غير قانوني. وأشارت التحقيقات إلى أن الشركة نجحت بالفعل في إبرام عقدين كبيرين مع الوزارة في شهري يناير ونوفمبر من عام 2025، مما يعزز فرضية استغلال النفوذ الوظيفي.
ولم تتوقف التجاوزات عند العقود التجارية فحسب، بل امتدت لتشمل الحصول على رخصة لإنشاء مكتب تشغيل خاص لاستقدام العمالة الأجنبية. وبحسب المصادر القضائية، فقد قام هذا المكتب بإدخال أعداد ضخمة من العمال الأجانب إلى الأراضي العراقية بطرق تخالف الضوابط والتعليمات النافذة، مما أضر بسوق العمل المحلي.
التحقيقات أثبتت اتفاق النائب مع وزير العمل السابق على تأسيس شركة بهدف الانتفاع المُباشر من التعاقدات التي تُجريها الوزارة وإحالتها.
وتأتي هذه التحركات القضائية ضمن حملة أمنية واسعة النطاق يشهدها العراق منذ عدة أسابيع، تهدف إلى تطهير مؤسسات الدولة من الفساد المالي والإداري. وقد أسفرت هذه الحملة حتى الآن عن توقيف عشرات المشتبه بهم، بينهم مسؤولون حاليون وسابقون، بعد استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لرفع الحصانة عنهم.
ويرتبط جزء كبير من هذه التحقيقات الجارية بالإفادات التي أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق، عدنان الجميلي، الذي يقبع حالياً قيد التوقيف. وكان الجميلي قد أُقيل من منصبه في يونيو الماضي على خلفية اتهامات تتعلق بهدر المال العام وإبرام صفقات وعقود تخالف القوانين والأنظمة المعمول بها في قطاع الطاقة.
وأفادت مصادر مطلعة في العاصمة بغداد بأن عمليات مكافحة الفساد تجري بوتيرة متصاعدة تحت إشراف مباشر من مجلس القضاء الأعلى. وأكدت المصادر أن هذه الحملات لا تقتصر على كبار المسؤولين في العاصمة فقط، بل تمتد لتشمل موظفين في محافظات مختلفة يعملون في قطاعات البلديات والتسجيل العقاري.
وعلى صعيد الأحكام القضائية النهائية، شهدت الفترة الأخيرة صدور أحكام بالسجن والإدانة بحق شخصيات برلمانية بارزة، من بينهم النائب السابق حسن الخفاجي والنائب محمد الكربولي. وتعكس هذه الأحكام جدية القضاء في التعامل مع ملفات الفساد مهما كانت الصفة الوظيفية أو السياسية للمتهمين المتورطين.
وتشير تقارير هيئة النزاهة إلى وجود تنسيق دولي لاسترداد الأموال المهربة إلى خارج العراق وملاحقة المطلوبين الفارين من العدالة. وتؤكد الحكومة العراقية في تصريحاتها المتكررة أنها لن تستثني أي طرف أو جهة سياسية في معركتها ضد الفساد، مشددة على أن استعادة أموال الشعب تمثل أولوية قصوى.
وفي الختام، يترقب الشارع العراقي نتائج هذه التحقيقات وما ستسفر عنه من كشف لمزيد من شبكات الفساد التي نخرت جسد الدولة لسنوات طويلة. ويأمل المواطنون أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تحسين الخدمات العامة وضمان توجيه موارد الدولة نحو التنمية الحقيقية بعيداً عن جيوب المنتفعين.













