شهدت العاصمة الإيرانية طهران اليوم الأحد تحولات جوهرية في هيكلية القيادة الأمنية العليا، حيث أعلنت الرئاسة الإيرانية رسمياً تعيين القائد الأسبق للحرس الثوري، محسن رضائي، في منصب أمين مجلس الأمن القومي. ويأتي هذا التكليف لملء الفراغ الذي خلفه مقتل علي لاريجاني، الذي لقي حتفه إثر غارة إسرائيلية استهدفته في شهر مارس/ آذار الماضي، مما يعكس رغبة النظام في استعادة التوازن الأمني.
وأكد المتحدث باسم مكتب الرئيس الإيراني، مهدي طباطبائي، صدور قرار التعيين من قبل الرئيس بزشكيان عبر منصة ‘إكس’. ويعد رضائي، البالغ من العمر 71 عاماً، من الشخصيات المحورية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، حيث قاد الحرس الثوري لمدة ستة عشر عاماً في الفترة ما بين 1981 و1997، وهي المرحلة التي شهدت الحرب الإيرانية العراقية وتأسيس القواعد العسكرية الكبرى.
عودة رضائي إلى واجهة القرار الأمني لم تكن مفاجئة تماماً، إذ سبق وأن عُيّن في مارس/ آذار الماضي مستشاراً عسكرياً للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وتأتي هذه الخطوة لتعزيز نفوذ القيادات التاريخية داخل دوائر صنع القرار الحساسة، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة والتهديدات المباشرة التي تواجهها طهران من قبل الاحتلال الإسرائيلي والقوى الدولية.
وفي سياق متصل، أعلن مكتب المرشد الأعلى عن تعيين محمد باقر ذو القدر في منصب المستشار السياسي لخامنئي، وذلك فور مغادرته لمنصبه السابق كأمين لمجلس الأمن القومي. ويشير هذا التبادل في الأدوار بين رضائي وذو القدر إلى استراتيجية تدوير المناصب بين القيادات الموثوقة لضمان استمرارية النهج الأمني والسياسي للنظام في مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذه التغييرات تأتي استجابة مباشرة للتطورات المتسارعة في ملف مضيق هرمز والمواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويرى مراقبون أن اختيار شخصيات ذات خلفية عسكرية صلبة يعكس توجهاً نحو ‘تحصين النظام’ والاعتماد على ‘الحرس القديم’ الذي يمتلك خبرة واسعة في إدارة الأزمات الكبرى والحروب التقليدية وغير التقليدية.
مضيق هرمز يحظى بأهمية استراتيجية تفوق البرنامج النووي الإيراني في ظل التوترات الراهنة.
ويمتلك محسن رضائي سجلاً حافلاً يجمع بين الخبرات العسكرية والأمنية والسياسية وحتى الاقتصادية، مما يجعله قادراً على إدارة مجلس الأمن القومي برؤية شاملة. وكان رضائي قد صرح في وقت سابق بأن مضيق هرمز يمثل محوراً استراتيجياً يفوق في أهميته البرنامج النووي الإيراني، وهو ما يعطي إشارة واضحة لأولويات المرحلة المقبلة في السياسة الدفاعية الإيرانية.
أما محمد باقر ذو القدر، فيُنظر إليه كصندوق أسود وذاكرة أمنية وعسكرية للنظام الإيراني، نظراً للمناصب الرفيعة التي تقلدها في وزارة الداخلية ومجمع تشخيص مصلحة النظام. إن انتقاله للعمل كمستشار سياسي للمرشد يهدف إلى توفير رؤية أمنية معمقة لصناعة القرار السياسي الخارجي، خاصة في الملفات المتعلقة بالتحالفات الإقليمية والمفاوضات الدولية المتعثرة.
وتشير التحليلات الواردة من طهران إلى أن هذه التعيينات تهدف إلى إرسال رسالة قوة للخارج، مفادها أن القيادة الإيرانية تلتف حول عناصرها الأكثر صلابة في مواجهة التحديات. وتتزامن هذه التحركات مع استمرار التوترات المرتبطة بالبرنامج النووي والتهديدات المتبادلة مع واشنطن بشأن حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية التي تشرف عليها إيران.
ختاماً، يرى الخبراء أن إعادة تموضع رضائي وذو القدر في مفاصل الدولة الحساسة يمثل مرحلة جديدة من التعبئة السياسية والأمنية داخل إيران. ومع استمرار التصعيد الإقليمي، يبدو أن المرشد الأعلى يسعى لتمكين الشخصيات التي واكبت تأسيس النظام لضمان الاستقرار الداخلي والقدرة على الردع الخارجي في ظل غياب شخصيات بارزة نتيجة الاغتيالات الأخيرة.












