تشهد الساحة الفلسطينية تحركات سياسية مكثفة لإعادة رسم ملامح المشهد الانتخابي بعد نحو عقدين من الجمود الديمقراطي. وأفادت مصادر مطلعة بأن قوى فلسطينية وازنة توافقت على تشكيل تحالف عريض لخوض الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في الثامن من نوفمبر المقبل، في خطوة قد تقلب الموازين السياسية القائمة.
ويضم هذا التحالف المقترح كلاً من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب التيار الإصلاحي في حركة فتح الذي يقوده محمد دحلان، وألوية الناصر صلاح الدين، بالإضافة إلى الشخصية الوطنية ناصر القدوة. وتنتظر هذه القوى رداً نهائياً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بشأن انضمامها للكتلة الأسبوع المقبل.
يأتي هذا التطور بعد لقاءات رفيعة المستوى عُقدت في العاصمة المصرية القاهرة، ضمت وفداً من حماس برئاسة خليل الحية وقيادة التيار الإصلاحي. وبحثت هذه الاجتماعات سبل إنهاء حالة التفرد بالقرار الوطني الفلسطيني، والعمل على أسس الشراكة السياسية لمواجهة تداعيات العدوان المستمر على قطاع غزة.
ويعد التقارب بين حماس وتيار دحلان المفاجأة الأبرز في هذا التحالف، نظراً لتاريخ الصراع الدامي الذي شهدته غزة عام 2007. إلا أن سنوات من التنسيق عبر لجان التكافل الاجتماعي والتعاون الإغاثي خلال الحرب الحالية مهدت الطريق لتجاوز خلافات الماضي والبحث عن قواسم سياسية مشتركة.
من جانبه، كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أصدر مرسوماً بإجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2026، تليها الرئاسية في مطلع 2027. وتعد هذه الانتخابات، في حال إجرائها، الأولى منذ عام 2006، مما يمنحها أهمية استثنائية في تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.
ورغم هذا الحراك، تبرز تحديات قانونية وسياسية قد تعيق مسار العملية الانتخابية، أبرزها التعديلات التي أدخلتها الرئاسة على قانون الانتخابات. وتعترض فصائل عدة على شرط التزام القوائم المترشحة بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير، معتبرة ذلك محاولة لفرض مسار سياسي محدد مسبقاً.
ويرى مراقبون أن هذا التحالف الجديد يمثل تحدياً مباشراً للقائمة الرسمية لحركة فتح، خاصة في ظل الأزمات الداخلية التي تعاني منها الحركة. وتلعب عوامل مثل أزمة الرواتب وتعثر المشروع السياسي دوراً في تعزيز فرص التحالفات المعارضة في كسب الشارع الفلسطيني.
التحالف الجديد يهدف إلى إنهاء حالة التفرد بالقرار الوطني وصياغة استراتيجية شاملة لمواجهة التحديات الراهنة.
وفي سياق متصل، تشير تقديرات سياسية إلى احتمالية تأجيل الانتخابات إلى مارس المقبل، تحت ذريعة دمج الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعد واحد. كما يبرز مقترح قانون جديد للأحزاب قد يضع قيوداً إضافية على مشاركة الفصائل التي تمتلك أجنحة عسكرية.
وتقف إسرائيل كعائق رئيسي أمام إتمام العملية الديمقراطية، حيث ترفض سلطات الاحتلال إجراء أي انتخابات قد تؤدي إلى توحيد الضفة وغزة تحت مظلة تشريعية واحدة. وتخشى إسرائيل من أن يساهم المجلس التشريعي الجديد في تجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية وإبقاء حل الدولة مطروحاً بقوة.
الموقف الأمريكي لا يبدو بعيداً عن التوجه الإسرائيلي، حيث نقلت مصادر أن واشنطن أرسلت رسائل للسلطة الفلسطينية تعبر فيها عن عدم رغبتها في إجراء الانتخابات حالياً. ويتركز التحفظ الأمريكي على مشاركة حركة حماس قبل استيفاء شروط تتعلق بنزع السلاح والاعتراف بالاتفاقيات الدولية.
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فتميل وفقاً لمحللين إلى الانضمام للتحالف لضمان تمثيل قوي في ظل الملاحقات الإسرائيلية المكثفة لكوادرها في الضفة الغربية. ويمثل التحالف بالنسبة للقوى اليسارية مظلة حماية سياسية وقوة انتخابية قادرة على تجاوز نسبة الحسم بسهولة.
ويرى خبراء أن السلطة الفلسطينية قد تلجأ لاستخدام كافة الأدوات القانونية والإدارية لعرقلة هذا التكتل الانتخابي إذا شعرت بتهديد حقيقي لمكانتها. فالقرار الانتخابي لا يزال بيد الرئاسة التي تملك صلاحية تعديل القوانين أو تأجيل المواعيد بذرائع أمنية أو فنية.
إن نجاح هذا التحالف في الوصول إلى صناديق الاقتراع سيعني بالضرورة نهاية مرحلة الانقسام التقليدي وبداية مرحلة جديدة من الاصطفافات. ولن تتضح الخريطة النهائية للمنافسة إلا بعد إغلاق باب الترشح رسمياً والتأكد من عدم وجود تدخلات خارجية تفرض إلغاء العملية برمتها.
يبقى المشهد الفلسطيني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين رغبة الفصائل في تجديد الشرعيات عبر تحالفات عابرة للأيديولوجيا، وبين ضغوط دولية وإقليمية تسعى للحفاظ على الوضع الراهن. وتظل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مصير الانتخابات وقدرة التحالف الجديد على الصمود أمام التحديات.












