شهدت مدينة العلمين المصرية انعقاد قمة تشاورية رباعية جمعت قادة كل من مصر وإريتريا والسودان والصومال، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنسيق المشترك حيال الأزمات المتصاعدة في منطقة القرن الإفريقي. وتأتي هذه القمة في توقيت حساس يتسم بتداخل الصراعات الداخلية الإثيوبية مع الخلافات الإقليمية حول ملفات مياه النيل وأمن الممرات البحرية الحيوية.
وتتزامن التحركات الدبلوماسية في العلمين مع تصعيد عسكري هو الأعنف في الداخل الإثيوبي منذ عام 2022، حيث أعلنت القوات الحكومية في أديس أبابا استعادة السيطرة على مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي. وجاء هذا التطور الميداني بعد انسحاب مقاتلي جبهة تحرير شعب تيغراي، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع المسلح الذي يهدد استقرار المنطقة برمتها.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، شهدت العلاقات بين أديس أبابا وجيرانها تدهوراً غير مسبوق، حيث أقدمت الحكومة الإثيوبية على إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين. ولم تتأخر إريتريا في الرد، حيث أعلنت رسمياً قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا، مما يعكس عمق الشرخ بين الحليفين السابقين في حرب تيغراي.
ولم تكن مصر بمنأى عن هذا التوتر الدبلوماسي، إذ قامت السلطات الإثيوبية بطرد دبلوماسي مصري دون تقديم مبررات واضحة، وهو ما دفع القاهرة للرد بإجراء مماثل وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل. وتتهم أديس أبابا كلاً من القاهرة والخرطوم وأسمرة بدعم تحالفات معارضة داخلية، وهي اتهامات نفتها الدول الثلاث جملة وتفصيلاً في مناسبات عدة.
وخلال أعمال القمة، شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على ضرورة إدارة الأنهار العابرة للحدود وفقاً لقواعد القانون الدولي ومبادئ التشاور المسبق. وأكد القادة المشاركون رفضهم القاطع لأي إجراءات أحادية الجانب قد تلحق الضرر بالاستخدامات المائية القائمة لدولتي المصب، في إشارة واضحة إلى أزمة سد النهضة المستمرة.
وفيما يخص الملف السوداني، أكد القادة الأربعة تمسكهم المطلق بوحدة الأراضي السودانية ورفضهم لوجود أي كيانات موازية للدولة الشرعية. ودعت القمة إلى ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة بقيادة سودانية خالصة، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي قد تزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في البلاد.
أما الملف الصومالي فقد حظي باهتمام خاص، حيث عبرت القمة عن دعمها الكامل لسيادة الصومال ووحدة أراضيه في مواجهة محاولات التقارب الإثيوبي مع إقليم أرض الصومال الانفصالي. ورفض البيان الختامي للقمة أي اعتراف أو دعم لهذا الإقليم، معتبرين ذلك تهديداً مباشراً للأمن القومي الصومالي واستقرار منطقة القرن الإفريقي.
حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ونرفض أي إجراءات أحادية تضر بالحقوق المائية لدول المصب.
واحتل أمن البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب حيزاً كبيراً من المباحثات، حيث اتفقت الدول الأربع على أن حماية هذه الممرات المائية هي مسؤولية حصرية للدول المشاطئة لها. وأكدت مصادر مطلعة أن التنسيق سيستمر لضمان حرية الملاحة ومواجهة التهديدات الأمنية التي قد تنجم عن عدم الاستقرار في الدول المحيطة بهذه الممرات.
ويرى مراقبون أن قمة العلمين تمثل محاولة لبناء جبهة موحدة لمواجهة ما يوصف بالسياسات الإثيوبية التوسعية في المنطقة. وتتقاطع في هذه القمة أربع أزمات إقليمية كبرى، بدءاً من حرب تيغراي وصولاً إلى النزاعات الحدودية والمائية، مما يجعل من التنسيق الرباعي ضرورة إستراتيجية ملحة للدول المشاركة.
وفي تحليل للمشهد، أوضح باحثون في الشأن الإفريقي أن مفهوم التحالفات التقليدية قد تطور إلى صيغ أكثر مرونة تعتمد على التفاهمات المشتركة لمواجهة التحديات الوجودية. وأشاروا إلى أن الدول الأربع تسعى لحماية أمنها المائي واقتصادها المرتبط بالبحار، في ظل محاولات إثيوبية لاستخدام الموارد الطبيعية كأوراق ضغط سياسي.
وتشير التقارير إلى أن إثيوبيا تسعى لفرض واقع جديد عبر ما يسمى ‘إستراتيجية المياهان’، التي تدمج بين استغلال المياه العذبة والسعي للحصول على منفذ بحري دائم. هذا التوجه يثير قلق الصومال بشأن نهري جوبا وشبيلي، كما يثير قلق إريتريا ومصر بشأن السيادة على السواحل وحقوق المياه التاريخية في نهر النيل.
وأكدت القمة الرباعية أن أي محاولة لفرض الأمر الواقع في ملف المياه أو الممرات البحرية ستواجه بموقف إقليمي موحد يستند إلى الشرعية الدولية. وشدد القادة على أن التعاون الإقليمي يجب أن يبنى على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما تفتقده السياسات الحالية في المنطقة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يعاني فيه السودان من أزمة داخلية حادة، حيث تتهم الخرطوم أديس أبابا بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع في مواجهة الجيش السوداني. هذا الاتهام أضاف بعداً جديداً للتوتر الإقليمي، وجعل من التنسيق مع مصر وإريتريا والصومال حاجة ملحة للقيادة السودانية لتأمين حدودها الشرقية.
ختاماً، تضع قمة العلمين حجر الأساس لمرحلة جديدة من التوازنات في القرن الإفريقي، حيث تسعى الدول المشاطئة للبحر الأحمر والمستفيدة من مياه النيل إلى حماية مصالحها. ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة هذا التنسيق على كبح جماح الطموحات الإثيوبية ومنع انزلاق المنطقة نحو صراع إقليمي شامل.













