تواجه إسرائيل أزمة غير مسبوقة في أروقة الرأي العام الأمريكي، حيث أظهرت بيانات حديثة تآكلاً حاداً في التأييد التقليدي الذي حظيت به لعقود. وتأتي هذه التحولات على وقع استمرار حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، مما دفع فئات واسعة من الناخبين للتساؤل عن جدوى التحالف الاستراتيجي مع تل أبيب وتأثيره على دافعي الضرائب.
وأكد محللون سياسيون أن ما تشهده الولايات المتحدة حالياً يعد تحولاً بنيوياً يتجاوز مجرد رد الفعل المؤقت على أحداث العنف. وأوضح الخبير دانيال ليفي أن التساؤلات باتت تطال جوهر العلاقة ومدى خدمتها للأمن القومي الأمريكي، في ظل تباين واضح بين توجهات المشرعين والمزاج الشعبي المتغير.
وتشير الأرقام الصادرة عن مركز ‘بيو’ للأبحاث إلى أن النظرة السلبية تجاه إسرائيل وصلت إلى 60% بين البالغين الأمريكيين خلال العام الجاري. ويعكس هذا الرقم قفزة كبيرة مقارنة بالأعوام السابقة، حيث كانت النسبة لا تتجاوز 42% في عام 2022، مما يؤكد عمق الفجوة التي خلفتها الحرب المستمرة.
وفي سابقة تاريخية سجلتها مؤسسة ‘غالوب’، تقدمت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين على المتعاطفين مع الإسرائيليين بواقع 41% مقابل 36%. هذا التحول يكسر احتكار الرواية الإسرائيلية للوجدان الأمريكي، ويشير إلى نجاح الرواية الفلسطينية في الوصول إلى شرائح جديدة من المجتمع رغم التعتيم الإعلامي.
ولم يقتصر التراجع على القواعد الديمقراطية فحسب، بل امتد ليشمل الحزب الجمهوري الذي يُعرف تقليدياً بدعمه المطلق للاحتلال. فقد كشفت الإحصائيات أن أكثر من نصف الجمهوريين الشباب باتوا ينظرون بسلبية إلى السياسات الإسرائيلية، مما يعكس انقساماً داخلياً داخل حركة ‘أمريكا أولاً’.
ويرى مراقبون أن التمويل الواسع للحملات الانتخابية وضغوط اللوبيات المؤسسية لا تزال تعزل المشرعين في واشنطن عن هذا التحول الشعبي. ومع ذلك، فإن هذا التباين يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة الإدارة الأمريكية على الاستمرار في سياسات تتعارض بشكل صارخ مع رغبات أغلبية مواطنيها.
من جانبه، اعترف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بخطورة هذا الاتجاه، واصفاً إياه بـ ‘المقلق للغاية’ خاصة بين الأجيال الشابة. وحذر بينيت من أن صورة إسرائيل الذهنية بدأت تقترن دولياً بجرائم الحرب وقتل الأطفال، وهو ما يصعب ترميمه عبر الوسائل الدبلوماسية التقليدية.
إسرائيل أصبحت مرتبطة الآن بالإبادة الجماعية وقتل الأطفال، تماماً كما ترتبط إيطاليا بالمعكرونة.
وفي السياق ذاته، أشار ليفي إلى أن محاولات إسرائيل لاستخدام تهمة ‘معاداة السامية’ لتبرير أفعالها لم تعد تجدي نفعاً مع الجيل الجديد. فكثير من اليهود الأمريكيين أنفسهم باتوا يرفضون هذا الربط، ويعتبرون الموقف من القضية الفلسطينية اختباراً حقيقياً لمصداقية أي سياسي أمريكي.
وقد تجلى هذا الغضب الشعبي في موجة الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت الجامعات الأمريكية، بدءاً من جامعة كولومبيا وصولاً إلى أكثر من 130 مؤسسة تعليمية. هذه الحراكات الطلابية ربطت بوضوح بين السياسة الخارجية الأمريكية وقيم حرية التعبير والعدالة الدولية، مما شكل ضغطاً هائلاً على مراكز القرار.
وتشير استطلاعات جامعة هارفارد لعام 2026 إلى أن قرابة نصف الشباب الأمريكي يعتبرون العلاقة مع إسرائيل ‘عبئاً’ وليس ميزة استراتيجية. هذه النظرة البراغماتية تعكس تغيراً في الأولويات لدى الجيل الذي يعتمد على مصادر إخبارية بديلة تتجاوز وسائل الإعلام التقليدية المنحازة.
وعلى الصعيد السياسي الإسرائيلي، حذر أفيغدور ليبرمان من أن فقدان الدعم الشعبي في أمريكا سيؤدي حتماً إلى فقدان الدعم السياسي الرسمي. وتوقع ليبرمان أن تضطر الإدارات الأمريكية المقبلة للاعتراف بدولة فلسطين ومنحها العضوية الكاملة في الأمم المتحدة كاستجابة للضغوط الداخلية.
ويرفض المحللون حصر الأزمة في شخص بنيامين نتنياهو أو حكومته اليمينية المتطرفة، مؤكدين أنها أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الاحتلال نفسه. فغياب أي أفق سياسي لدى الأحزاب الصهيونية لإنهاء الاحتلال يجعل من الصعب تسويق إسرائيل كـ ‘دولة ديمقراطية’ أمام الجمهور الغربي.
ووضعت التقارير ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العلاقة، تتراوح بين استمرار الدعم الرسمي المتآكل أو حدوث قطيعة حاسمة في السياسات المستقبلية. أما السيناريو الأخطر فهو انخراط واشنطن في صراعات إقليمية أوسع لحماية إسرائيل، مما قد يسرع من تراجع النفوذ الأمريكي العالمي.
ختاماً، تؤكد هذه المعطيات أن حرب غزة لم تكن مجرد جولة عسكرية، بل كانت نقطة تحول فاصلة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي دولياً. إن ارتدادات هذه الحرب داخل المجتمع الأمريكي ستشكل ملامح السياسة الدولية تجاه فلسطين في العقود القادمة، بعيداً عن الهيمنة التقليدية للوبيات الداعمة للاحتلال.













