يقف المزارع الفلسطيني تيسير الشيخ، البالغ من العمر 64 عاماً، وسط أشجاره في قرية رنتيس شمال غربي رام الله، متأملاً ثماراً انتظرها عاماً كاملاً. لم يتمكن الشيخ من العناية بأرضه البالغة مساحتها 26 دونماً كما اعتاد سابقاً، بسبب تصاعد التوترات الأمنية واعتداءات المستوطنين المتكررة.
اضطر الشيخ للاستعانة بمتضامنين للوصول إلى حقله بعد تعرضه لاعتداء جسدي من قبل المستوطنين قبل أيام قليلة. ويؤكد المزارع المتقاعد أن هذه الأشجار ليست مجرد مصدر للرزق، بل هي التي مكنته من تأمين التعليم الجامعي لأبنائه وبناته طوال العقود الماضية.
تعكس قصة الشيخ واقعاً مريراً كشف عنه تقرير حديث لوزارة الزراعة الفلسطينية، أشار إلى تضرر نحو 286 ألف شجرة زيتون في الضفة الغربية. هذه الأضرار سجلت في الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى نهاية سبتمبر من العام الجاري 2026، نتيجة الممارسات الميدانية المختلفة.
تعتبر شجرة الزيتون المحصول الشجري الأكثر انتشاراً في فلسطين، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى وجود نحو 13 مليون شجرة. وتغطي هذه الأشجار مساحة تقدر بـ 575 ألف دونم، ما يمثل الغالبية العظمى من مساحات البستنة المزروعة في البلاد.
يتحول موسم قطاف الزيتون في شهر أكتوبر من كل عام إلى ما يشبه العرس الوطني الذي يجمع العائلات الفلسطينية في الحقول. إلا أن هذا التقليد الاجتماعي بات مهدداً بفعل الخوف من هجمات المستوطنين التي تصاعدت وتيرتها خلال العامين الأخيرين بشكل ملحوظ.
أفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال منعت مزارعي بلدة بيتا جنوب نابلس من الوصول إلى أراضيهم الواقعة على أطراف البلدة. واستخدمت القوات الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المزارعين الذين حاولوا جني ثمارهم، مما أدى لوقوع إصابات وحالات اختناق.
من جانبها، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصعيد إسرائيلي في إصدار الأوامر العسكرية التي تستهدف الغطاء النباتي. وسجلت الهيئة صدور 54 أمراً عسكرياً منذ بداية عام 2026، استهدفت إزالة الأشجار من مساحة تزيد عن 2316 دونماً من الأراضي الفلسطينية.
من الزيتون علمت أولادي وبناتي.. بالنسبة إلينا الزيتونة هي الحياة والارتباط المقدس بالأرض.
تتذرع السلطات الإسرائيلية بالاعتبارات الأمنية لتنفيذ عمليات إزالة الأشجار، بينما يؤكد أصحاب الأراضي أنها محاولات لتفريغ الأرض من سكانها. ويشير المزارعون إلى أن بعض الأشجار التي تم اقتلاعها كانت محملة بالثمار وجاهزة للحصاد، مما ضاعف من حجم الخسائر الاقتصادية.
تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو توثق قيام مستوطنين بجمع ثمار الزيتون من حقول تعود ملكيتها للفلسطينيين. كما أشارت تقارير غير مؤكدة إلى إنشاء معصرة زيتون داخل إحدى المستوطنات في محافظة سلفيت لاستغلال المحاصيل المنهوبة من أراضي المواطنين.
لا تقتصر أهمية الزيتون على الجانب المادي، بل يمثل ركيزة أساسية في المطبخ الفلسطيني والهوية الثقافية. ويعد زيت الزيتون المكون الرئيس لأطباق تقليدية مثل ‘المسخن’، الذي يرمز للارتباط الوثيق بين الفلاح وأرضه ومنتجاتها الطبيعية.
في ظل هذه الظروف الاستثنائية، أعلنت وزارة الزراعة عن تشكيل لجان محلية وإطلاق حملة وطنية لدعم المزارعين. وتهدف هذه المبادرات إلى توفير الحماية الشعبية للمزارعين وتسهيل وصولهم إلى أراضيهم في المناطق الساخنة والمعرضة للاعتداءات المستمرة.
يستخدم المزارعون أدوات بسيطة ويدوية لقطف الثمار، حيث يحرصون على جمع كل حبة تسقط على الأغطية البلاستيكية. ويفتخر الفلسطينيون بجودة الزيت المنتج محلياً، والذي يعتبره الكثيرون الأفضل عالمياً نظراً لطبيعة التربة وطرق العناية التقليدية بالأشجار المعمرة.
تغيب هذا العام أجواء البهجة التي كانت ترافق إعداد الطعام على نار الحطب وصنع الشاي في الحقول بسبب التهديدات الأمنية. وأصبح المزارع يترقب بحذر أي تحرك غريب حول حقله، مما حول الموسم من مناسبة اجتماعية إلى معركة صمود يومية.
يختم تيسير الشيخ حديثه بالإشارة إلى أن الخسارة الحقيقية لا تكمن فقط في كمية الزيت المفقودة، بل في تبدل علاقة الجيل الجديد بالأرض. فاليوم، يخشى الكثير من الشباب التوجه إلى الحقول البعيدة، مما يهدد استمرارية هذا الموروث الزراعي والوطني الأصيل.













