أحيت إسرائيل اليوم الأربعاء الذكرى السنوية الثالثة لهجوم السابع من أكتوبر 2023، الذي نفذته حركة حماس، وسط أجواء سياسية مشحونة تسبق الانتخابات التشريعية المرتقبة. وتأتي هذه الذكرى في ظل واقع ميداني معقد، حيث يسود وقف إطلاق نار تم التوصل إليه برعاية أمريكية منذ العام الماضي، لكنه لم ينهِ المعاناة الإنسانية العميقة في قطاع غزة.
وشهدت مواقع عدة في جنوب إسرائيل مراسم تأبين صامتة، حيث تجمعت عائلات القتلى عند الساعة السادسة وتسع وعشرين دقيقة صباحاً، وهو التوقيت الدقيق لبدء الهجوم قبل ثلاث سنوات. ووقف المشاركون دقيقة صمت في موقع مهرجان ‘نوفا’ الموسيقي وفي كيبوتس ‘كفار عزة’، وسط حضور أمني مكثف وصور الضحايا التي زينت المكان.
وتكتسب مراسم هذا العام أهمية استثنائية لكونها تتزامن مع الحملة الانتخابية للكنيست، وهي الانتخابات الأولى التي تُجرى منذ أحداث أكتوبر 2023. ويرى مراقبون أن تداعيات ذلك اليوم لا تزال تسيطر على الخطاب السياسي الإسرائيلي، وتؤثر بشكل مباشر على توجهات الناخبين والتحالفات الحزبية القائمة.
وعلى الصعيد الميداني، أفادت مصادر بأن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أصدر تعليمات صارمة للجيش برفع درجة التأهب واليقظة إلى القصوى. وجاءت هذه الأوامر بناءً على معلومات استخباراتية تشير إلى احتمال تنفيذ هجمات تستهدف القوات الإسرائيلية، تزامناً مع فعاليات إحياء الذكرى في مختلف المناطق.
وفي قطاع غزة، لا يزال المشهد الإنساني يوصف بالكارثي، حيث يعيش مئات الآلاف من الفلسطينيين في خيام ومراكز إيواء مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. ورغم توقف العمليات العسكرية الكبرى بموجب الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، إلا أن إعادة الإعمار لا تزال متعثرة والدمار يغطي مساحات شاسعة.
وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى أن عدد الشهداء منذ بدء العدوان الإسرائيلي عقب الهجوم قد تجاوز 74200 شخص. وتؤكد تقارير دولية وأممية موثوقية هذه الأرقام، مشيرة إلى أن حجم الخسائر البشرية والمادية في القطاع غير مسبوق في التاريخ الحديث للمنطقة.
حماس لن تحكم غزة مجدداً، وسنواصل استهداف كل من شارك في هجوم السابع من أكتوبر أو احتجز رهائن.
من جانبه، جدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تأكيده على الأهداف السياسية والعسكرية لبلاده، مشدداً على أن حركة حماس لن يكون لها دور في حكم غزة مستقبلاً. وتوعد نتنياهو في تصريحاته الأخيرة بملاحقة كافة العناصر التي شاركت في التخطيط أو التنفيذ لهجوم السابع من أكتوبر، أو أولئك الذين ساهموا في احتجاز الرهائن.
وبحسب البيانات الموثقة، فقد أسفر هجوم السابع من أكتوبر 2023 عن مقتل 1221 إسرائيلياً، بالإضافة إلى اختطاف 251 شخصاً نُقلوا إلى داخل قطاع غزة. ومن بين المختطفين، تأكدت وفاة 44 شخصاً خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما لا يزال ملف المفقودين يمثل ضغطاً كبيراً على الحكومة الإسرائيلية.
وتأتي هذه الذكرى بعد أسبوع واحد فقط من إحباط محاولة اعتداء استهدفت طائرة تابعة لشركة ‘فلاي دبي’ كانت متجهة إلى تل أبيب، مما زاد من وتيرة القلق الأمني. وقد انعكست هذه المخاوف على طبيعة الإجراءات المتخذة في المطارات والمعابر، تزامناً مع التجمعات الحاشدة لإحياء ذكرى القتلى.
وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، انخرطت إسرائيل في مواجهات عسكرية على جبهات متعددة، شملت عمليات واسعة في لبنان ضد حزب الله، ومواجهات مباشرة مع إيران. ورغم الهدوء النسبي الحالي في غزة، إلا أن التوترات الإقليمية لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العام، مع استمرار التحريض المتبادل والتهديدات العسكرية.
وفي مدينة تل أبيب، نظمت عائلات الضحايا فعالية كبرى مساء اليوم، طالبت فيها بضرورة إنهاء ملف الرهائن بشكل كامل وضمان عدم تكرار ما حدث. وتعكس هذه الفعاليات الانقسام الداخلي حول أداء الحكومة في إدارة الأزمة، ومدى نجاح الاستراتيجية العسكرية في تحقيق الأمن المستدام للإسرائيليين.
ختاماً، يبقى مستقبل قطاع غزة السياسي غامضاً في ظل غياب رؤية دولية موحدة للإدارة ما بعد الحرب، ومع إصرار الجانب الإسرائيلي على فرض واقع أمني جديد. وتظل معاناة المدنيين في القطاع هي العنوان الأبرز لهذه الذكرى، حيث ينتظر الآلاف حلولاً جذرية تنهي مأساة النزوح والعيش تحت الأنقاض.













