تضع الضغوط الفرنسية والأوروبية بشأن تأجيل الانتخابات إلى سبتمبر/ أيلول من العام المقبل، السلطة الفلسطينية أمام اختبار سياسي جديد، في ظل تباين التقديرات بشأن قدرة تلك الضغوط على دفعها إلى التراجع عن قرار التأجيل أو تقديم موعد الانتخابات المعلن.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون، في أحاديث منفصلة مع “ے”، أن اعتماد السلطة على الدعم الأوروبي يجعل تجاهل هذه الضغوط محفوفاً بتداعيات سياسية ومالية، في حين يستبعد آخرون أن تكون المواقف الأوروبية الحالية كافية لتغيير القرار، خاصة في ظل عدم الضغط الفعلي على إسرائيل من أجل إجراء الانتخابات.
ولا تنفصل الأزمة عن الموقف الإسرائيلي الرافض لقيام دولة فلسطينية، والعراقيل المرتبطة بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية وقطاع غزة، فضلاً عن الخلافات الداخلية بشأن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعية المؤسسات وإصلاحها، ما يثير تساؤلات بشأن فرص إجراء الانتخابات، حتى في حال الاتفاق على موعد جديد.
وبينما تتباين الآراء بشأن مآلات الضغط الأوروبي، تتقاطع التقديرات حول الحاجة إلى حوار وطني شامل يعيد بناء الثقة ويؤسس لتوافق على قواعد العملية الديمقراطية ونتائجها، بالتوازي مع تحرك دولي يوفر ضمانات لإجراء انتخابات شاملة، ويعالج المعيقات الإسرائيلية، بما يعزز وحدة النظام السياسي الفلسطيني وكيانيته الوطنية.
الضغوط الأوروبية لا تكفي وحدها
يؤكد أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن الضغوط الفرنسية والأوروبية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لدفع السلطة الفلسطينية إلى تقديم موعد الانتخابات، مشيراً إلى أن المسألة ترتبط بحسابات فلسطينية داخلية ومواقف إسرائيلية وخلاف سياسي أوسع بشأن مستقبل القضية الفلسطينية والكيانية السياسية الفلسطينية.
ويوضح أن فرنسا تنظر إلى الانتخابات الفلسطينية باعتبارها جزءاً من المسار السياسي الذي أطلقته مع السعودية في نيويورك العام الماضي، والقائم على تجديد الشرعية الفلسطينية وإعادة بناء المؤسسات في إطار رؤية أوسع لحل الدولتين.
ويلفت أبو بدوية إلى أن هذا التوجه يتعارض مع موقف حكومة بنيامين نتنياهو الرافض لقيام دولة فلسطينية، ما يجعل الموقف الإسرائيلي عاملاً أساسياً في تعقيد فرص إجراء الانتخابات.
توقيت الانتخابات غير موفق سياسياً
ويشير أبو بدوية إلى أن التحرك الفلسطيني باتجاه الانتخابات جاء في توقيت غير موفق سياسياً، بالتزامن مع الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، الأمر الذي يزيد صعوبة توقع استجابة إسرائيلية إيجابية، خصوصاً في القضايا الحساسة ذات الأبعاد السياسية والسيادية، وفي مقدمتها القدس.
ويؤكد أن الانتخابات العامة، التي تشمل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وكذلك قطاع غزة، تتجاوز مسألة تجديد شرعية المؤسسات، إذ تحمل دلالة تتصل بوحدة الشعب الفلسطيني ونظامه السياسي وتعزيز كيانيته الوطنية.
وبحسب أبو بدوية، تكتسب هذه الدلالة أهمية خاصة في ظل سياسات حكومة نتنياهو خلال السنوات الأخيرة، بما فيها التوسع الاستيطاني وتعميق السيطرة الإسرائيلية على الأرض والصلاحيات الفلسطينية، وهي سياسات أسهمت في تقويض المقومات الإقليمية والمؤسسية اللازمة لقيام دولة فلسطينية.
احتمالات لإعادة تشكيل موازين القوى
وفي السياق الداخلي، يلفت أبو بدوية إلى أن الحديث عن تحالفات محتملة بين قوى معارضة، من بينها حماس والجهاد الإسلامي وتيار محمد دحلان وقوى أخرى، إلى جانب التباينات داخل حركة فتح، يفتح المجال أمام احتمالات لإعادة تشكيل موازين القوى في النظام السياسي الفلسطيني.
ويؤكد أبو بدوية أهمية عدم دقة الجزم بأن الخشية من نتائج الانتخابات كانت سبباً مباشراً لتأجيلها من دون أدلة واضحة، مشيراً إلى أن تقديرات بحثية إسرائيلية أبدت تحفظات على سيناريوهات قد تفضي إلى صعود قوى فلسطينية لا ترغب إسرائيل في التعامل معها، من دون أن يعني ذلك وجود تفاهم أو تنسيق بين الأطراف التي قد تتقاطع حساباتها عند تعثر الانتخابات.
احتواء الضغط لا يعني تجاوز تداعياته
وبشأن قدرة السلطة على تجاوز الضغوط الأوروبية، يرى أبو بدوية أنها تستطيع التمسك بقرار التأجيل في المدى القريب، لكن احتواء الضغط الفرنسي مؤقتاً لا يعني تجاوز تداعياته السياسية، في ظل ارتباط العلاقات الأوروبية بمستقبل الدولة الفلسطينية وتجديد شرعية مؤسساتها، وليس بالدعم المالي والدبلوماسي وحده.
ويؤكد أبو بدوية أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على تحميل المعيقات الإسرائيلية وحدها مسؤولية استمرار التأجيل، في ظل الحاجة الفلسطينية الداخلية إلى تجديد الشرعية واستعادة الثقة بالمؤسسات.
إطلاق حوار وطني شامل
ويدعو أبو بدوية إلى إطلاق حوار وطني شامل للتوافق على رؤية سياسية مشتركة تتناول مستقبل النظام السياسي ووحدة مؤسساته وتجديد شرعيته، على أن ينصب التوافق على قواعد العملية الديمقراطية وضمان احترام نتائجها، لا على توزيع السلطة أو الاتفاق المسبق على النتائج.
ويعتبر أبو بدوية أن هذا المسار قد يوفر أرضية لتحرك فلسطيني أوروبي أكثر تماسكاً، يعيد توجيه الجهود الدبلوماسية نحو إزالة المعيقات الإسرائيلية وتوفير ضمانات لإجراء انتخابات شاملة، بدلاً من حصر الضغط بالسلطة الفلسطينية.
نتائج الانتخابات الإسرائيلية
ويشير أبو بدوية إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تفتح مساحة سياسية مختلفة إذا أفضت إلى تغيير في تركيبة الحكومة وتوجهاتها، مع التحفظ على افتراض أن أي تغيير سيقود تلقائياً إلى تحول جوهري في السياسة الإسرائيلية، خصوصاً بشأن القدس والدولة الفلسطينية.
ويؤكد أبو بدوية أن تجاوز الأزمة يتطلب الانتقال من إدارة ملف التأجيل إلى بناء توافق وطني حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، بما يجعل الانتخابات جزءاً من مشروع وطني لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز الكيانية السياسية الفلسطينية، لا مجرد استحقاق تحكمه الضغوط الخارجية والحسابات الداخلية.
ضغوط مفاجئة
يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن الضغوط الأوروبية، لا سيما الفرنسية، على السلطة الفلسطينية بشأن الانتخابات جاءت مفاجئة، مرجحاً أن تدفع هذه الضغوط نحو التراجع عن الموعد الذي حدده الرئيس محمود عباس، والتوصل إلى حل وسط.
ويوضح عطا الله أن فرنسا لا تريد التنازل عن إجراء الانتخابات، مشيراً إلى أن الرئيس محمود عباس أعطى وعداً بالعمل على إجرائها خلال عام.
إحراج الموقف الفرنسي
ويؤكد عطا الله أن تراجع الفلسطينيين عن الانتخابات أحرج الموقف الفرنسي، الذي يسعى إلى تسويق فكرة أن الفلسطينيين جديرون بإقامة دولة، معتبراً أن الانتخابات تمثل إحدى أبرز دلالات هذه الجدارة.
ويشير إلى أن تأجيل الانتخابات لا يرتبط فقط بالعوامل الإسرائيلية والظروف المحيطة، بل يتصل أيضاً بأسباب ذاتية فلسطينية، ليست جميعها موضوعية، لافتاً إلى أن التراجع عن الاستحقاق الانتخابي يبعث برسالة سلبية بشأن قدرة الفلسطينيين على إدارة حياتهم السياسية وإجراء الانتخابات.
استفادة السلطة من الأوروبيين
وفي ما يتعلق بقدرة السلطة على تجاوز الضغوط، يستبعد عطا الله ذلك، معتبراً أن السلطة تستفيد من الرعاية والحماية الأوروبيتين، ولا تستطيع الاستغناء عنهما، خصوصاً الموقف الفرنسي ومواقف أوروبية أُخرى.
ويعتقد عطا الله أن السلطة، بعدما لم تستجب لمطالب عربية سابقة بإجراء إصلاحات، وكذلك للمطالب الأوروبية في هذا الشأن، قد تجد نفسها أمام خطر العزلة السياسية إذا مضت في تجاهل الضغوط، مؤكداً أنها لا تستطيع الاستغناء عن الاتحاد الأوروبي، ما يرجح التراجع عن الموعد المعلن بحثاً عن تسوية وسط.
عدم تجاوز حدود الضغط اللفظي
تستبعد الكاتبة والمحللة السياسية والمختصة بالعلاقات الدولية والشؤون الدبلوماسية نور عودة أن تدفع الضغوط الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، السلطة الفلسطينية إلى التراجع عن تأجيل الانتخابات إلى العام المقبل، معتبرة أن المواقف الأوروبية المعلنة لم تتجاوز حتى الآن حدود الضغط اللفظي، ولا يُتوقع أن تترجم بالضرورة إلى خطوات أكثر حدة.
وبحسب عودة، فإن غياب أي تعليق من الإدارة الأميركية حتى الآن يعزز الاعتقاد بأن الضغوط الحالية لن تُحدث تغييراً في قرار التأجيل، وإن المرحلة المقبلة قد تشهد جفاءً سياسياً إلى حين اقتناع الاتحاد الأوروبي وفرنسا بجدية قرار التأجيل واتضاح مسار الانتخابات، لكن عودة تشدد على أن الضرر قد وقع بالفعل، داخلياً وعلى المستوى الدولي، نتيجة تغيير الموعد.
تأثر الحالة السياسية الفلسطينية بالضغوط
وتوضح عودة أن الحالة السياسية الفلسطينية تتأثر بدرجة كبيرة بالضغوط الدولية، خصوصاً في ظل الأوضاع السياسية في إسرائيل، والأزمة المالية الفلسطينية المعقدة، وعدم قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والمجتمع الفلسطيني عموماً، ما يحد من الخيارات المتاحة أمام السلطة للتعامل مع التداعيات.
وفي ما يتعلق بإمكانية تجاوز هذه الضغوط، ترى عودة أن صدور المرسوم يجعل التراجع عنه غير كافٍ لإجراء الانتخابات في موعدها السابق خلال نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وقد يؤدي إلى تغيير في الموعد، لكن التأجيل وقع، ولن يكون هناك انتخابات في نوفمبر / تشرين الثاني 2026.
التأجيل وحجم الضرر على المجتمع الدولي
وتؤكد عودة أن القضية الأهم لم تعد مقتصرة على احتواء الغضب والتصريحات الدولية، بل تتعلق بحجم الضرر الذي لحق بالعلاقة بين النظام السياسي الفلسطيني ومجتمعه.
وتلفت إلى أن ترحيب بعض الفصائل بتأجيل الانتخابات قد تكون له تداعيات سياسية لم تتضح ملامحها كاملة بعد، مشيرة إلى أن توافق فصائل لم تتمكن من الاتفاق على شيء طوال عشرين عاماً على تأجيل مواجهة الناخب الفلسطيني يحمل دلالات سياسية مهمة، وقد تكون له انعكاسات لاحقة على المشهد الفلسطيني.
وتعتبر عودة أن ما حدث أعاد إلى الواجهة إشكالية اشتراط دول، بينها فرنسا، الاعتراف بحق الفلسطينيين في الاستقلال وتقرير المصير، وهو حق غير القابل للتصرف، بإجراءات سياسية محددة، من بينها إجراء الانتخابات، رغم أن الانتخابات تمثل مطلباً شعبياً واسعاً لم تتم تلبيته.
وتؤكد عودة أن تجاوز التداعيات الداخلية لتأجيل الانتخابات يمثل التحدي الأبرز، في ظل ما خلّفه القرار من ضرر على المستوى الفلسطيني، إلى جانب انعكاساته على علاقات السلطة مع المجتمع الدولي.
الضغط لضمان الحقوق الفلسطينية
تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د.ولاء قديمات أن الضغوط الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، بشأن الانتخابات الفلسطينية ينبغي أن تخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية، وأن تتجاوز المطالبة بإجراء الانتخابات إلى الضغط الجاد والمسؤول لضمان الحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين، وفي مقدمتها إقامة دولتهم، وتهيئة الظروف اللازمة لحياة سياسية متكاملة.
وتؤكد قديمات أن الديمقراطية منهج وسلوك وليست مجرد إجراء انتخابي، مشيرة إلى أن النقاش بشأن تقديم موعد الانتخابات الفلسطينية أو تأخيره يعكس الحق المشروع للفلسطينيين في ممارسة حقوقهم السياسية، إلى جانب وجود توافق شعبي ورسمي على ضرورة عقد الانتخابات.
أهمية تحديد الموعد
وتوضح قديمات أن الساحة الفلسطينية ليست بمعزل عن التطورات الإقليمية والدولية، وربما دفعت أثماناً في سياقها، لافتة إلى أن تحديد موعد مناسب للانتخابات يمثل شرطاً موضوعياً لضمان إجرائها بما يكفل الحق الفلسطيني.
وترى أن الموقف الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي، ينسجم مع الدور الذي تحاول الدول الأوروبية الاضطلاع به تجاه القضية الفلسطينية، والتحركات السابقة الداعمة لإقامة الدولة الفلسطينية والداعية إلى الإصلاحات في الشأن الفلسطيني.
لكن قديمات تشدد على ضرورة التعامل بحذر مع هذا التحرك، بحيث لا ينفصل عن المصلحة الوطنية الفلسطينية ومتطلبات الواقع، بل يسهم في توفير بيئة ملائمة لممارسة الفلسطينيين حقوقهم السياسية، بعيداً عن العراقيل السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي ظل مناخ صحي يتيح حياة سياسية متكاملة.
وفي ما يتعلق بإمكانية تجاوز السلطة الفلسطينية هذه الضغوط، ترى قديمات أن قرار تأجيل الانتخابات إلى الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول المقبل، ليس نهائياً، موضحة أن موقف السلطة يقوم على عقدها عند توافر الظروف المناسبة.
استثمار الضغوط
وتعتقد قديمات أن الضغوط الأوروبية تتيح فرصة أمام السلطة لاستثمار هذا التحرك والبناء عليه، وتحويله من ضغط يركز على حق الفلسطينيين في الانتخابات إلى موقف دولي ضاغط من أجل تمكينهم من نيل حقوقهم الوطنية المشروعة كافة.
وتؤكد أن الحياة السياسية السليمة تتطلب مناخاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً مناسباً، داعية السلطة إلى التعامل مع التحركات الأوروبية بما يحقق هذه المتطلبات، والاستفادة منها في حشد موقف دولي جاد ومسؤول تجاه الفلسطينيين.
وتشدد قديمات على أن الحياة السياسية الفلسطينية تتجاوز مجرد إجراء الانتخابات، لأن الديمقراطية من المفترض أنها منهج وسلوك، وليست إجراءات انتخابية فحسب، ما يستدعي توفير الظروف السياسية التي تضمن ممارسة الحقوق السياسية ضمن بيئة صحية ومتكاملة.
هل من الممكن إجراء الانتخابات؟
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن الضغوط الأوروبية على السلطة الفلسطينية لتقديم موعد الانتخابات قد تؤتي ثمارها، وربما تدفعها إلى إعلان الموافقة عليها، لكنه يشكك في إمكانية إجراء الانتخابات فعلياً، حتى لو تقرر تقديم موعدها إلى النصف الأول من العام المقبل، في ظل غياب ضمانات دولية حقيقية تلزم إسرائيل بالسماح بإجرائها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويتساءل الصباح عن قدرة السلطة الفلسطينية أو الاتحاد الأوروبي على فرض إجراء الانتخابات في جميع المناطق الفلسطينية على إسرائيل، معتبراً أن الجهات الدولية التي لم تتمكن من وقف الحرب على قطاع غزة، أو وضع حد للجرائم المتواصلة في الضفة الغربية، لم تستطع أيضاً منع فرض السيطرة الإسرائيلية على القدس، مشيراً إلى أن التعامل السياسي القائم مع إسرائيل لا يعكس اعتراضاً حقيقياً على واقع ضم القدس، حتى إن لم يُترجم ذلك باعتراف دبلوماسي رسمي.
ويؤكد الصباح أن تحديد مواعيد جديدة للانتخابات، سواء في النصف الأول من العام المقبل أو في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول المقبل، لن يكون كافياً لضمان إجرائها، ما لم تتوافر ضمانات دولية مسبقة توافق عليها إسرائيل، معتبراً أن غياب هذه الضمانات يجعل فرص إجراء الانتخابات مستبعدة، بصرف النظر عن الموعد المعلن.
البحث عن آليات ووسائل عملية لتجاوز الضغوط
وفي المقابل، يدعو الصباح السلطة الفلسطينية إلى البحث عن آليات ووسائل عملية لتجاوز الضغوط، بالتوافق مع مختلف القوى الفلسطينية، سواء عبر الأساليب الانتخابية التقليدية وممارسة ضغوط سياسية على إسرائيل، أو من خلال ابتكار وسائل أُخرى، مثل التصويت الإلكتروني أو الجمع بين التصويت الإلكتروني والوجاهي، أو اعتماد آليات بديلة تحظى بتوافق وطني.
ويشدد الصباح على أن الوصول إلى هذه الخيارات يتطلب حواراً وطنياً فلسطينياً حقيقياً ينتهي إلى اتفاقات واضحة وأجندة محددة قابلة للتنفيذ، بحيث لا يبقى التوافق مجرد تفاهمات نظرية، بل يتحول إلى خطوات عملية على الأرض.
التوافق والوحدة المدخل الأساسي لإنجاز الانتخابات
ويؤكد الصباح أن التوافق والوحدة الوطنية يشكلان المدخل الأساسي لإنجاز الانتخابات، حتى في ظل العراقيل الإسرائيلية، من خلال الاتفاق على آليات عمل وأدوات مشتركة تستطيع القوى الفلسطينية تطبيقها ومواجهة التحديات المرتبطة بالاحتلال.
ويشدد الصباح على أن الانتخابات، وغيرها من الملفات الفلسطينية، مرهونة بإرادة الشعب والقوى السياسية والقيادة الفلسطينية، معتبراً أن توحيد هذه المكونات حول برنامج ورؤية ومشروع وطني واحد يجعل تحقيق الأهداف الفلسطينية أمراً ممكناً.
في سياق المبادرة الفرنسية السعودية
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن الضغوط الفرنسية والأوروبية قد تدفع السلطة الفلسطينية إلى تقديم موعد الانتخابات من سبتمبر/أيلول المقبل إلى يونيو/حزيران المقبل، وفق الطرح الذي أبدت السلطة استعدادها له، مشدداً على أن القضية الأساسية لا تتعلق بتقديم الموعد ثلاثة أشهر، بقدر ما ترتبط بموقف الاتحاد الأوروبي من إجراء الانتخابات والإصلاحات المطلوبة فلسطينياً.
ويوضح ياغي أن الموقف الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، يأتي في سياق المبادرة الفرنسية السعودية التي ارتبط بها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والاشتراطات الأوروبية المتعلقة بإجراء الانتخابات وإصلاح مؤسسات السلطة، مشيراً إلى وجود أجندة متفق عليها بين السلطة والاتحاد الأوروبي، تقضي بإجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والرئاسية في يناير/كانون الثاني المقبل أو مارس/آذار المقبل، كحد أقصى.
تأجيل الانتخابات شكّل صدمة للأوروبيين
ويوضح ياغي أن قرار تأجيل الانتخابات شكّل صدمة للأوروبيين، خصوصاً الفرنسيين، الذين عبّروا، عبر وزير الخارجية الفرنسي والاتحاد الأوروبي، عن استيائهم من القرار، لا سيما أن الاتحاد الأوروبي يعد من أكبر الداعمين للخزينة العامة الفلسطينية.
ويلفت ياغي إلى أن الاتحاد الأوروبي سيبدأ في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مناقشة ملف الدعم المالي للسلطة من جديد، ما يثير تساؤلات بشأن انعكاسات الخلاف السياسي على استمرار هذا الدعم.
التأثير على الدعم الأوروبي للسلطة
ويحذّر ياغي من أن عدم استجابة السلطة للمطالب الأوروبية قد يؤثر بصورة كبيرة على المساعدات المقدمة إليها، لافتاً إلى أن تأجيل الانتخابات عاماً كاملاً تحت عنوان الحوار الوطني لم يكن مقبولاً لدى الأطراف الداعمة لإقامة الدولة الفلسطينية وإصلاح مؤسسات السلطة، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.
ويرى أن المطلوب حالياً هو التوصل إلى أجندة جديدة مع الأوروبيين بشأن الإصلاح، في ظل تصاعد الاستياء الأوروبي وتراجع الثقة بالسلطة.
ويشير ياغي إلى تداول روايات غير مؤكدة عن استخدام الجانب الأوروبي لغة شديدة الحدة في الاعتراض على قرار التأجيل.
وفي ما يتعلق بقدرة السلطة على تجاوز الضغوط، يوضح ياغي أنها تجاوزتها بالفعل عندما قررت تأجيل الانتخابات، رغم المطالبات بإجرائها، مستندة إلى المعيقات الإسرائيلية المتعلقة بالقدس وقطاع غزة، إضافة إلى الحاجة إلى الحوار الوطني.
تداعيات محتملة
ويشدد ياغي على أن المسألة لم تعد تتعلق بقدرة السلطة على تجاوز الضغوط، وإنما بالتداعيات المحتملة لعدم الاستجابة لها، وفي مقدمتها احتمال تعرضها للعزلة إذا قرر الاتحاد الأوروبي مقاطعتها أو وقف دعم ميزانيتها.
ويعتقد ياغي أن تأجيل الانتخابات وضع العلاقات الفلسطينية الأوروبية أمام اختبار صعب، لأن الانتخابات كانت جزءاً من الإصلاحات المطلوبة، ولأن السلطة ترتبط مع الأوروبيين باتفاقيات وعلاقات سياسية ومالية مهمة.
ويوضح أن الاتحاد الأوروبي يمثل أحد أكبر داعمي السلطة، ومن أبرز الأطراف الدولية التي تتخذ مواقف معارضة لبعض السياسات الإسرائيلية، بما فيها الاستيطان.
ويعتقد ياغي أن تجاوز الضغوط الأوروبية ليس خياراً واقعياً في المرحلة الحالية، معتبراً أن الأولوية تتمثل في تصحيح العلاقة معه، ومعالجة الشكوك الأوروبية بشأن جدية السلطة في المضي نحو الإصلاح والتجديد السياسي والمؤسسي.













