فرنسا تواجه موجة عنف غير مسبوقة: آلاف المعتقلين وخسائر اقتصادية فادحة

19 أكتوبر 2026آخر تحديث :
فرنسا تواجه موجة عنف غير مسبوقة: آلاف المعتقلين وخسائر اقتصادية فادحة

استفاقت المدن الفرنسية الكبرى على وقع دمار واسع النطاق غداة ليلة من الشغب العنيف الذي صاحب احتجاجات حاشدة ضد غلاء المعيشة. وبحث المواطنون والمسؤولون على حد سواء عن تفسيرات لهذه الفوضى التي ضربت البلاد قبل ستة أشهر فقط من موعد الانتخابات الرئاسية المرتقبة.

وفي العاصمة باريس، لم تهدأ الأوضاع تماماً يوم الأحد، حيث اندلعت مواجهات جديدة في محيط ميدان ‘لا ريبوبليك’ الذي تحول إلى بؤرة للعنف. وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الأمن اضطرت للتدخل لتفريق تجمعات غير مرخصة في المناطق التي شهدت نهباً ممنهجاً للمتاجر والمرافق العامة.

وكشفت وزارة الداخلية الفرنسية عن حصيلة ثقيلة للمواجهات، حيث جرى توقيف 2397 شخصاً في مختلف أنحاء البلاد. وسجلت باريس وحدها رقماً قياسياً في عدد الاعتقالات بلغ 855 شخصاً، في حين لا يزال المئات رهن التحقيق لدى النيابة العامة بتهم التخريب والاعتداء.

ولم تقتصر الخسائر على الممتلكات، بل طالت الكوادر البشرية في صفوف الأمن، حيث أُصيب 997 عنصراً من الشرطة والدرك بجروح متفاوتة. وأكدت التقارير الطبية وجود سبع حالات خطيرة بين العناصر الأمنيين الذين واجهوا موجات من العنف المباشر خلال محاولاتهم السيطرة على الشارع.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خرج في كلمة متلفزة ليعبر عن شعوره بـ’الغضب والعار’ إزاء ما آلت إليه الأوضاع في البلاد. وتعهد ماكرون بمحاسبة كل من تورط في أعمال النهب، معلناً عن اجتماع طارئ يضم الأحزاب والنقابات والمسؤولين المحليين لرسم خطة للخروج من الأزمة.

وفي مدينة مرسيليا الساحلية، وصفت مديرية الشرطة الوضع بالكارثي بعد رصد مشاركة أكثر من 30 ألف شخص في أعمال نهب واسعة. وشهدت المدينة عمليات سطو استهدفت المحال التجارية والمرافق العامة، مما أثار تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية على احتواء مثل هذه الأعداد الضخمة.

وعلى الصعيد الإنساني، سجلت إصابات بليغة في صفوف المتظاهرين، حيث فقد أحد الأشخاص يده في مدينة سانت إتيان نتيجة انفجار قنبلة أطلقتها الشرطة. كما فُتح تحقيق رسمي في مدينة تولوز بعد تعرض شابة لإصابة أدت إلى فقدان عينها، وسط اتهامات لقوات الأمن باستخدام القوة المفرطة.

نشعر جميعاً هذا المساء بالغضب والعار، وسنحاسب المشاركين في عمليات النهب والتخريب.
من جانبها، دخلت القوى السياسية المعارضة على خط الأزمة، حيث وصفت مارين لوبن ما يحدث بأنه ‘أزمة عميقة’ تهدد أسس الديمقراطية الفرنسية. وفي المقابل، دعا زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الحكومة إلى الاستجابة لمطالب الشباب ووقف حالة التدهور الاجتماعي التي تغذي هذا الغضب.

اقتصادياً، قدر اتحاد التجارة والتوزيع تضرر نحو 1500 تاجر في جميع أنحاء فرنسا، مع خسائر مادية أولية تصل إلى مئات ملايين اليوروهات. وشملت الأضرار تحطيم واجهات المحلات ونهب المخازن وحرق بعض المنشآت التجارية، مما يضع عبئاً ثقيلاً على قطاع التأمين والاقتصاد المحلي.

وفي محاولة لاستعادة النظام، نُشرت وحدات متخصصة في مكافحة العنف الحضري، مثل الوحدة الثامنة من قوات الأمن الجمهوري، في نقاط التماس بباريس. وتعمل هذه الوحدات على منع أي تجمعات جديدة قد تتحول إلى أعمال شغب، خاصة في المناطق الحيوية التي تعرضت للتخريب ليلة السبت.

الجمعية الوطنية الفرنسية لم تقف مكتوفة الأيدي، حيث أعلنت رئيستها يائيل برون-بيفيه عن تشكيل لجنة تحقيق برلمانية. وستتولى اللجنة فحص أسباب اندلاع العنف وتقييم استراتيجية حفظ النظام التي اتبعتها وزارة الداخلية خلال الأيام الماضية.

دولياً، أثارت الأزمة الفرنسية ردود فعل متباينة، كان أبرزها تعليق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب الذي اعتبر أن ‘فرنسا تحترق’. وربط ترمب بين ما يحدث وسياسات الهجرة، معتبراً أنها ساهمت في إضعاف الدولة الفرنسية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية.

وفي المدن المتضررة، بادر متطوعون وعمال بلديات إلى تنظيف الشوارع من الأنقاض وآثار الحريق في محاولة لاستعادة ملامح الحياة الطبيعية. وسادت حالة من الحزن بين السكان الذين شاهدوا معالم مدنهم، مثل مبنى بلدية ليموج، وهي تتعرض لدمار جزئي نتيجة أعمال الشغب.

ويرى مراقبون أن هذه الأحداث تمثل ‘نقطة تحول’ في الولاية الرئاسية الحالية، حيث تضع الحكومة أمام تحدي الموازنة بين الحق في التظاهر وفرض النظام. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن ملف ‘غلاء المعيشة’ والأمن سيشكلان المحور الأساسي للصراع السياسي القادم في الإليزيه.