تراشق بالاتهامات وإهانات شخصية في أول مناظرة رئاسية بين لولا وبولسونارو

19 أكتوبر 2026آخر تحديث :
تراشق بالاتهامات وإهانات شخصية في أول مناظرة رئاسية بين لولا وبولسونارو

شهدت الساحة السياسية البرازيلية مواجهة نارية بين الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه المحافظ فلافيو بولسونارو، حيث تبادل الطرفان سيلاً من الإهانات الشخصية والاتهامات الخطيرة. جاءت هذه المناظرة التلفزيونية الأولى قبل أسبوع واحد فقط من انطلاق الجولة الثانية والحاسمة للانتخابات الرئاسية التي تترقبها البلاد والمنطقة بأكملها.

المواجهة التي استضافتها قناة ‘باند’ التلفزيونية في مدينة ساو باولو اتسمت منذ لحظاتها الأولى بتوتر شديد وأجواء مشحونة عكست حجم الانقسام السياسي. وحاول كل مرشح استقطاب الناخبين المترددين بعد نتائج الجولة الأولى التي أظهرت تقارباً كبيراً في الأصوات، حيث حصل بولسونارو على 47 في المئة مقابل 45 في المئة لمنافسه لولا.

لولا دا سيلفا، الذي يطمح للفوز بولاية رابعة غير متتالية، بدأ هجومه بمحاولة النأي بنفسه جسدياً وسياسياً عن خصمه خلال المناظرة. ووصف لولا منافسه بأنه ‘عضو في ميليشيا’، في إشارة واضحة إلى تقارير تتحدث عن صلات مفترضة للبرلماني بمجموعات إجرامية تسيطر على مناطق واسعة في ريو دي جانيرو.

في المقابل، لم يتأخر رد فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، حيث لجأ إلى أسلوب استعراضي عبر كتابة كلمة ‘فاسد’ على راحة يده وتوجيهها نحو الكاميرات. وكان هذا التصرف إشارة مباشرة إلى قضايا الفساد التي سُجن بسببها لولا في عامي 2018 و2019 قبل أن تقرر المحكمة إلغاء تلك الأحكام لاحقاً.

وتصاعدت حدة التوتر عندما وصف لولا خصمه بـ ‘الكاذب بالفطرة والبلطجي’، وذلك رداً على انتقادات وجهها بولسونارو للسيدة الأولى روزانجيلا دا سيلفا. واتهم بولسونارو زوجة الرئيس بالإسراف في النفقات العامة، وهو ما اعتبره لولا محاولة رخيصة لتشويه صورة عائلته والهروب من القضايا الجوهرية التي تهم الشعب البرازيلي.

من جانبه، رد المرشح المحافظ بتحدٍ واضح قائلاً إن ‘البرازيل ستحيلك على التقاعد’، في إشارة إلى ثقته بالفوز في الجولة المقبلة وإنهاء المسيرة السياسية للزعيم اليساري. وحاول بولسونارو التركيز على إخفاقات الحكومات السابقة لليسار، معتبراً أن عودة لولا للسلطة ستمثل تراجعاً اقتصادياً وأخلاقياً للبلاد.

وطالب لولا خلال المناظرة بتقديم توضيحات شفافة حول تحقيقات تتعلق بشبهات فساد تطال فلافيو بولسونارو نفسه، وتحديداً فيما يخص تمويل فيلم سينمائي عن والده. واعتبر لولا أن صمت خصمه عن هذه التساؤلات يؤكد تورطه، واصفاً إياه بـ ‘المهرج’ الذي يحاول تشتيت انتباه الرأي العام عن قضاياه القانونية.

أنت كاذب بالفطرة وبلطجي، والبرازيل ستحيلك إلى التقاعد قريباً.
ولم يقف بولسونارو صامتاً أمام هذه الاتهامات، بل رد بفتح ملفات أبناء لولا، مشيراً إلى شبهات فساد تحوم حول ابنه الملقب بـ ‘لولينيا’. هذا التراشق العائلي عكس مدى انحدار مستوى النقاش السياسي في المناظرة، حيث طغت الاتهامات الشخصية على البرامج الانتخابية والخطط الاقتصادية المستقبلية.

واستحضر لولا في حديثه ذكرى الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي يقضي حالياً عقوبة بالسجن لمدة 27 عاماً بسبب محاولته الانقلاب على نتائج الانتخابات السابقة. وحاول لولا إحراج منافسه بالقول: ‘أنت تعرف ابنك جيداً، وتعرف أنني أفضل منه’، في محاولة لضرب مصداقية فلافيو أمام قاعدة والده الانتخابية.

المناظرة كشفت أيضاً عن تباين حاد في الرؤى الاجتماعية، حيث ركز لولا على قضايا الجوع والفقر والعدالة الاجتماعية التي ميزت فترات حكمه السابقة. بينما ركز بولسونارو على قيم الأسرة المحافظة، ومكافحة الجريمة، والسياسات الاقتصادية الليبرالية التي يرى أنها الطريق الوحيد لنهضة البرازيل.

ويرى مراقبون أن هذه المناظرة قد تكون الحاسمة في تحديد توجهات الكتلة التصويتية الصامتة التي لم تحسم أمرها بعد في الجولة الأولى. فالصراع بين اليسار واليمين المتطرف في البرازيل وصل إلى ذروته، وأصبحت الشخصنة هي السمة الغالبة على الخطاب السياسي في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع.

قناة ‘باند’ التي استضافت الحدث شهدت إجراءات أمنية مشددة في محيطها، تحسباً لوقوع اشتباكات بين أنصار المرشحين الذين تجمعوا في الخارج. وتعكس هذه الأجواء حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها المدن البرازيلية، حيث باتت الانتخابات صراعاً على هوية الدولة ومستقبلها الديمقراطي.

وفي ختام المناظرة، لم يتصافح المرشحان، مما أكد عمق الخلاف الشخصي والسياسي بينهما، وهو ما ينذر بأسبوع انتخابي ساخن ومليء بالمفاجآت. وتترقب الأسواق العالمية والدوائر السياسية نتائج هذه الانتخابات نظراً لثقل البرازيل الاقتصادي والسياسي في أمريكا اللاتينية والعالم.

ويبقى السؤال المطروح في الشارع البرازيلي حول مدى قدرة لولا على استعادة بريقه السياسي وتجاوز عقبة بولسونارو الابن الذي يبدو مستنداً إلى إرث والده القوي. الأيام القليلة القادمة ستكون حاسمة في رسم ملامح القيادة الجديدة لأكبر دولة في القارة الجنوبية.