تواجه مدينة مينيابوليس الأمريكية، التي تحتضن واحدة من أكبر الجاليات العربية في الولايات المتحدة، موجة غير مسبوقة من القلق والتوتر. يأتي ذلك في أعقاب تكثيف إدارة الهجرة والجمارك الفيدرالية (ICE) لعملياتها الميدانية، مما دفع السكان إلى إعادة حساباتهم قبل مغادرة منازلهم. وأفادت مصادر بأن النشاط المتزايد للسلطات أوجد شعوراً بالخوف لم يعهده المهاجرون من قبل في هذه المنطقة.
وتشير البيانات الميدانية وشهادات السكان إلى أن عمليات توقيف المهاجرين غير النظاميين سجلت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأشهر القليلة الماضية. وقد رصد الأهالي انتشاراً لعناصر مسلحة وسيارات لا تحمل شعارات رسمية تتجول في الأحياء المكتظة بالمهاجرين. هذا التواجد الأمني المكثف أثار تساؤلات حول طبيعة المهمات الفيدرالية ومدى تأثيرها على السلم المجتمعي في المدينة.
من جانبها، تصر الإدارة الأمريكية على أن تحركات إدارة الهجرة تهدف بالأساس إلى فرض سيادة القانون وتطبيق الأنظمة النافذة. وتؤكد السلطات أن الأولوية في هذه المداهمات تُعطى للأفراد الذين يملكون سجلات جنائية أو صدرت بحقهم أوامر ترحيل نهائية. ومع ذلك، ترى منظمات حقوقية أن هذه التبريرات لا تعكس الواقع الذي يعيشه السكان على الأرض، حيث تجاوزت الآثار الجوانب القانونية لتصل إلى عمق النسيج الاجتماعي.
رغدة سكيك، وهي مواطنة أمريكية من أصول فلسطينية، عبرت عن هذا الواقع المرير بالإشارة إلى أن القلق بات يرافق كل قرار يومي تتخذه العائلة. وأوضحت أن المخاوف امتدت لتشمل اختيار المسارات الآمنة لبناتها المحجبات، خوفاً من أي مضايقات أو استهداف. وأضافت أن المساجد، التي كانت تعتبر ملاذاً آمناً، لم تعد بمنأى عن الرقابة أو احتمالات المداهمة المفاجئة.
وفي شهادة أخرى تعكس حجم المأساة، قالت أسماء خليل، التي هاجرت من دمشق عام 2011 إن شعورها بالأمان تراجع إلى مستويات مقلقة. وذكرت خليل أن الأجواء الحالية في مينيابوليس أعادت إليها ذكريات الخوف التي عاشتها في سوريا قبل رحيلها. وأكدت أن هذا الشعور بالتهديد لم يعد مقتصرًا على الكبار، بل بدأ يتسرب إلى نفوس الأطفال الذين يراقبون ما يحدث حولهم بحذر.
الآثار لم تتوقف عند الجانب النفسي، بل امتدت لتضرب العصب الاقتصادي للجالية العربية في المدينة بشكل مباشر. سائد أبو كرم، صاحب مطعم فلسطيني معروف في مينيابوليس، أكد أن نشاطه التجاري شهد تراجعاً حاداً بنحو ثلاثين في المئة. وعزا هذا التراجع إلى تردد الزبائن في ارتياد الأماكن العامة خوفاً من التواجد الأمني المكثف في المنطقة.
وأشار أبو كرم إلى أن إدارة المطعم اضطرت لاتخاذ إجراءات غير مألوفة، مثل وضع مراقب عند المدخل لرصد أي تحركات مريبة للسلطات. وقال إن العمل اليومي أصبح مرتبطاً بشكل وثيق بحالة القلق العام، مما جعل فكرة الرحيل عن المدينة خياراً مطروحاً. هذا التدهور الاقتصادي يهدد استمرارية العديد من المشاريع الصغيرة التي تعتمد عليها العائلات العربية في معيشتها.
القلق لم يعد محصوراً بالمهاجرين غير النظاميين؛ بل امتد إلى المواطنين القانونيين، ما يعيد تعريف معنى المواطنة والانتماء.
رداً على هذه الإجراءات، شهدت مينيابوليس خروج مظاهرات حاشدة طالبت بوقف المداهمات الفيدرالية الفورية ومحاسبة المسؤولين عنها. المتظاهرون رفعوا شعارات تنادي بحماية حقوق المهاجرين وضمان كرامة السكان بغض النظر عن وضعهم القانوني. إلا أن هذه الاحتجاجات لم تخلُ من العنف، حيث سجلت السلطات المحلية مقتل متظاهرين اثنين في حوادث منفصلة زادت من تعقيد المشهد.
هذه الحوادث المأساوية عمقت من إحساس السكان بهشاشة وضعهم الأمني في بلد كانوا يعتبرونه وطناً بديلاً. وأصبح الترقب سيد الموقف في الأحياء العربية، حيث يتابع الجميع الأخبار العاجلة وتنبيهات المجموعات المحلية بحذر شديد. ويرى مراقبون أن مقتل المتظاهرين شكل نقطة تحول في علاقة الجالية بالسلطات الفيدرالية، مما زاد من فجوة الثقة بين الطرفين.
وسط هذه الأجواء القاتمة، برزت مبادرات للتضامن المجتمعي تهدف إلى تخفيف وطأة الضغوط على العائلات المتضررة. كاثرين حداد، مديرة المسرح العربي الأمريكي، أوضحت أن المجتمع يحاول حماية نفسه عبر دعم المتاجر المحلية التي تعاني من الركود. كما يتم تفعيل شبكات تواصل بين الجيران لمتابعة أي تحركات أمنية طارئة وتقديم الدعم القانوني والنفسي لمن يحتاجه.
وأضافت حداد أن الفعاليات الثقافية، التي كانت تجمع أبناء الجالية، تحول بعضها إلى الفضاء الرقمي عبر الإنترنت للحفاظ على سلامة المشاركين. هذا التحول يعكس مدى تأثير القبضة الأمنية على الحياة العامة والأنشطة الثقافية التي تميزت بها مينيابوليس. وأكدت أن القلق لم يعد يفرق بين مهاجر غير نظامي ومواطن يحمل الجنسية، فالجميع يشعر بأنه تحت المجهر.
إن إعادة تعريف معنى المواطنة والانتماء باتت قضية ملحة للنقاش داخل أروقة المؤسسات العربية في أمريكا. فالمواطنون من أصول عربية يشعرون بأن حقوقهم الدستورية قد تكون مهددة في ظل المناخ السياسي الحالي. هذا الشعور بالاغتراب داخل الوطن يمثل تحدياً كبيراً لجهود الاندماج التي بذلتها الجالية على مدار عقود طويلة في ولاية مينيسوتا.
وتجمع شهادات السكان التي رصدتها مصادر إعلامية على أن القلق تحول إلى عنصر يومي ثابت في تفاصيل حياتهم. ورغم ذلك، يسعى الكثيرون للحفاظ على هويتهم وانتمائهم للمدينة التي ساهموا في بنائها وتطويرها. الأمل لا يزال يراود البعض في أن تكون هذه المرحلة عابرة، وألا تتحول الإجراءات الأمنية إلى سياسة دائمة تستهدف وجودهم.
في نهاية المطاف، تبقى مينيابوليس نموذجاً للصراع بين تطبيق قوانين الهجرة الفيدرالية والحفاظ على حقوق الإنسان والتماسك المجتمعي. وبينما تستمر المداهمات، تظل الجالية العربية متمسكة بحقها في العيش بسلام بعيداً عن هواجس الترحيل والملاحقة. إنها معركة من أجل البقاء في مدينة اعتبروها يوماً ملاذاً آمناً بعيداً عن النزاعات التي هربوا منها في بلدانهم الأصلية.













