تعيش تركيا منذ مطلع شهر رمضان لعام 2026 حالة من الاستقطاب السياسي والثقافي الحاد، إثر تعميم أصدرته وزارة التعليم الوطني تحت وسم ‘رمضان في قلب التعليم’. ويهدف هذا القرار، الذي عُمم على كافة الولايات التركية، إلى دمج الأجواء الروحية للشهر الفضيل ضمن الأنشطة المدرسية الرسمية.
القرار الذي حظي بمباركة مباشرة من الرئاسة التركية، واجه موجة انتقادات عنيفة من أوساط أكاديمية وفنية تتبنى الفكر العلماني. وقد تبلور هذا الاعتراض في بيان جماعي وقعه 168 شخصية بارزة، محذرين مما وصفوه بـ’إقحام الدين في التعليم العام’ وتهديد المبادئ التي قامت عليها الجمهورية منذ عام 1923.
من جانبه، دافع وزير التعليم الوطني، يوسف تكين، عن الخطوة مؤكداً أنها تأتي ضمن رؤية ‘نموذج التعليم في القرن التركي’. وأشار تكين إلى أن الأنشطة المقترحة تركز على قيم العدالة والرحمة والوحدة الوطنية، وهي قيم تتسق مع الدستور الذي يضمن للمواطنين حق تطوير وجودهم الروحي.
وأوضح الوزير في تصريحات صحفية أن الفعاليات المدرسية، التي تشمل موائد إفطار جماعية وحلقات نقاشية، تعتمد بالدرجة الأولى على مبدأ التطوع. وشدد على أن الوزارة تمارس مسؤولياتها الدستورية في تعزيز الروابط بين المدرسة والأسرة من خلال هذه المناسبات الاجتماعية والدينية.
في المقابل، اعتبر الموقعون على بيان ‘ندافع عن العلمانية معاً’ أن هذه التوجهات تدفع البلاد نحو ما وصفوه بـ’مستنقع الرجعية’. ورأى البيان أن الضغوط الدينية في المجال التعليمي تمثل انحرافاً عن المسار العلماني الصارم الذي وضعه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.
الرد الرسمي لم يتأخر، حيث جاء خطاب الرئيس رجب طيب أردوغان أمام كتلته البرلمانية حازماً في الدفاع عن توجهات وزارة التعليم. واتهم أردوغان المعارضين للقرار بالازدواجية، مشيراً إلى أنهم لا يبدون أي انزعاج من مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد أو ‘الهالوين’ في المؤسسات المختلفة.
وتساءل الرئيس التركي بنبرة استنكارية عن سبب انزعاج البعض من رؤية الأطفال وهم يتعلمون الصلاة أو ينشدون الأناشيد الدينية. وأكد أن حكومته لم تتدخل طوال عقدين في أنماط حياة المواطنين، معتبراً أن الجدل الحالي هو محاولة لفرض وصاية فكرية على خيارات المجتمع.
View this post on Instagram
لا ينزعجون عندما يتم تزيين عيد الميلاد أو الهالوين، لكنهم ينزعجون عندما يتعلم أطفالنا الصلاة والصيام.
View this post on Instagram
ولم يتوقف السجال عند التصريحات السياسية، بل انتقل إلى أروقة القضاء بعد إعلان وزير التعليم رفع دعاوى قضائية ضد الموقعين على البيان المعارض. واعتبر تكين أن البيان يتضمن إساءة لملايين الطلاب وأولياء الأمور الذين شاركوا في الفعاليات الرمضانية بملء إرادتهم.
ودخل حلفاء الحكومة على خط المواجهة، حيث وصف زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي، التعميم بأنه خطوة صحيحة في توقيتها. وانتقد بهتشلي بشدة محاولات ربط الأنشطة الرمضانية بنماذج متطرفة، مؤكداً أن تركيا تتصالح مع هويتها التاريخية بعيداً عن عقد ‘تركيا القديمة’.
نقابة الموظفين العموميين ‘ممور-سن’ انضمت هي الأخرى للسجال ببيان شديد اللهجة، اتهمت فيه المثقفين العلمانيين بممارسة ‘الديماغوجيا’. وقالت النقابة إن المشكلة تكمن في ‘التعصب للعلمانية’ وليس في العلمانية نفسها، مستحضرة حقبات سابقة شهدت تضييقاً على الحريات الدينية.
وعلى صعيد منصات التواصل الاجتماعي، أشعلت أنشودة دينية صوفية رددها طلاب في ساحات المدارس فتيل نقاش إضافي حول حياد المؤسسات التعليمية. وبينما تداولها المؤيدون كدليل على التفاعل الإيجابي مع الهوية، رآها المعارضون خرقاً لبروتوكولات التعليم الرسمي في الدولة العلمانية.
هذا الصراع الرمزي يعيد إلى الأذهان قانون ‘توحيد التدريس’ الصادر عام 1924، والذي كان حجر الزاوية في علمنة التعليم التركي. ويبدو أن التوازن بين هذا الإرث القانوني وبين الرغبة الحكومية في تعزيز القيم الدينية لا يزال يمثل تحدياً كبيراً في بنية الدولة التركية الحديثة.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المدارس تحولت هذا العام إلى ساحة لاختبار حدود التغيير الاجتماعي والسياسي في البلاد. فبينما يرى البعض في هذه الأنشطة استعادة للهوية الأصيلة، يراها آخرون تقويضاً لأسس الدولة المدنية التي تحمي جميع المعتقدات بالوقوف على مسافة واحدة منها.
ومع استمرار المعارك القضائية والسياسية، يبقى المشهد التعليمي في تركيا مفتوحاً على كافة الاحتمالات. وتظل مسألة حضور الدين في الفضاء العام واحدة من أكثر القضايا قدرة على تحريك الشارع التركي وتقسيم النخبة بين مدافع عن التقاليد ومتمسك بالعلمانية الصارمة.













