تحدياً لترمب.. إسبانيا تغلق قواعدها أمام الطائرات الأميركية وترفض الحرب على إيران

16 مارس 2026آخر تحديث :
تحدياً لترمب.. إسبانيا تغلق قواعدها أمام الطائرات الأميركية وترفض الحرب على إيران

في ظل تسارع وتيرة التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، برز موقف إسباني لافت يكسر حالة الإجماع الغربي التقليدية تجاه النزاعات المسلحة. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز صراحة أن بلاده لن تنخرط في أي مغامرة عسكرية تستهدف إيران، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي والشرعية الأممية.

يأتي هذا الموقف في أعقاب الهجمات الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف إيرانية، وما تبعها من ردود انتقامية طالت منشآت في عدة دول. وقد وضعت هذه التطورات مدريد في مواجهة مباشرة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي كانت تتوقع دعماً لوجستياً وسياسياً كاملاً من حلفائها في الناتو.

وأكد سانشيز خلال خطاب جماهيري في مدينة بلد الوليد أن الذاكرة الإسبانية لا تزال تستحضر دروس غزو العراق عام 2003، وما خلفه من كوارث نتيجة القفز فوق قرارات مجلس الأمن. وأوضح أن رفض الأنظمة الاستبدادية لا يمكن أن يكون مبرراً لخرق القوانين الدولية أو إشعال فتيل حروب إقليمية مدمرة.

ولم تكتفِ الحكومة الإسبانية بالتصريحات السياسية، بل انتقلت إلى خطوات إجرائية حازمة عبر منع القوات الأميركية من استخدام القواعد العسكرية على أراضيها. وشمل القرار قاعدتي ‘روتا’ و’مورون’ الاستراتيجيتين، حيث رُفض تقديم أي تسهيلات لوجستية للعمليات الموجهة ضد طهران.

وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا القرار السيادي أجبر 15 طائرة عسكرية أميركية على تغيير مسارها ومغادرة الأجواء الإسبانية بشكل فوري. واضطرت تلك الطائرات للتوجه نحو قاعدة ‘رامشتاين’ في ألمانيا وقواعد أخرى في أوروبا، مما أربك الخطط اللوجستية الأميركية في المنطقة.

وفي واشنطن، حاولت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت التخفيف من حدة الموقف بالادعاء أن هناك تعاوناً إسبانياً في اللحظات الأخيرة. إلا أن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس سارع لنفي هذه الادعاءات، مؤكداً أن موقف بلاده ثابت ولم يتغير ‘قيد أنملة’ تجاه رفض الحرب.

رد الفعل الأميركي جاء غاضباً وحاداً، حيث وصف الرئيس دونالد ترمب إسبانيا بأنها ‘حليف فظيع’ لا يمكن الاعتماد عليه في الأزمات الكبرى. ولوح ترمب بفرض عقوبات اقتصادية وقطع علاقات تجارية مع مدريد، في محاولة للضغط على حكومة سانشيز للتراجع عن قراراتها الأخيرة.

إسبانيا لن تدعم حرباً خارج إطار الشرعية الدولية، والقادة الحقيقيون لا يمارسون الطاعة العمياء خوفاً من الانتقام.

من جانبه، رد سانشيز بتحدٍ واضح، معتبراً أن القيادة الحقيقية تقتضي حماية مصالح الشعب والالتزام بالمبادئ، وليس ممارسة ‘الطاعة العمياء’. وأشار مراقبون إلى أن تهديدات ترمب قد تصطدم بحائط الصد الأوروبي، كون إسبانيا عضواً في السوق الموحدة، وأي استهداف لها هو استهداف للاتحاد الأوروبي.

ويرتبط الموقف الإسباني من إيران بشكل وثيق بسياستها تجاه القضية الفلسطينية والعدوان المستمر على قطاع غزة. فقد اتخذت مدريد خطوات دبلوماسية غير مسبوقة بسحب سفيرتها من تل أبيب، احتجاجاً على ما وصفته بحرب الإبادة الجماعية والمشاركة الإسرائيلية في التصعيد الإقليمي.

كما أقر البرلمان الإسباني تشريعاً تاريخياً يفرض حظراً دائماً وشاملاً على تصدير كافة أنواع الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى إسرائيل. وتعكس هذه الخطوة رغبة إسبانية في ممارسة ضغوط فعلية لوقف نزيف الدماء في المنطقة، بعيداً عن لغة البيانات الدبلوماسية التقليدية.

داخلياً، يحظى توجه سانشيز بدعم شعبي واسع، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 68% من المواطنين الإسبان يعارضون أي تدخل عسكري خارجي. هذا الالتفاف الشعبي يمنح الحكومة الائتلافية القوة اللازمة لمواجهة الضغوط الخارجية والابتزاز السياسي الذي قد تمارسه القوى الكبرى.

وعلى صعيد التفاعلات الدولية، حذر سانشيز من خطورة ‘اقتصاد الحروب’ وتأثير المجمعات الصناعية العسكرية في دفع العالم نحو الهاوية. ودعا القوى الكبرى إلى التوقف عن ‘اللعب بالروليت الروسي’ بمصائر ملايين البشر، مؤكداً أن الخيار الوحيد لإنقاذ الأرواح هو قول ‘لا’ للحرب.

أثارت هذه المواقف انقساماً حاداً على منصات التواصل الاجتماعي بين مؤيد يرى في سانشيز ‘قائداً أخلاقياً’ نادراً، ومعارض يتهمه بالضعف. ويرى بعض المحللين أن إسبانيا تحاول رسم مسار جديد للسياسة الخارجية الأوروبية، يعتمد على الاستقلالية الاستراتيجية وتغليب لغة الحوار على لغة السلاح.

ختاماً، تظل المواجهة بين مدريد وواشنطن مفتوحة على كافة الاحتمالات، في ظل إصرار إسبانيا على موقفها المبدئي. ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، يبدو أن إسبانيا قررت أن تكون صوتاً للتهدئة والشرعية الدولية، حتى لو كلفها ذلك صداماً مباشراً مع أقوى دولة في العالم.