تونس: جدل سياسي وحقوقي واسع عقب إحالة محمد الغنوشي للقضاء المالي

6 أبريل 2026آخر تحديث :
تونس: جدل سياسي وحقوقي واسع عقب إحالة محمد الغنوشي للقضاء المالي

شهدت الساحة السياسية والقضائية في تونس موجة واسعة من الردود المتباينة عقب قرار دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف إحالة محمد الغنوشي، رئيس الحكومة الأسبق، إلى الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي. ويأتي هذا القرار ليشمل أيضاً مديراً عاماً سابقاً بوزارة الشباب والرياضة، على خلفية اتهامات تتعلق بتجاوزات قانونية في إحدى الصفقات العمومية التي تعود لسنوات ما قبل الثورة.

واعتبر مراقبون أن ملاحقة الغنوشي، الذي يلقبه البعض بـ ‘الرجل الذي أنقذ تونس’ لدوره في تأمين انتقال السلطة عقب هروب زين العابدين بن علي عام 2011، تحمل أبعاداً تتجاوز الشق القانوني الصرف. وقد أثار توقيت إعادة فتح هذه الملفات تساؤلات حول الجدوى من ملاحقة مسؤولين غادروا السلطة منذ أكثر من عقد من الزمن، خاصة في ظل غياب أدلة مادية مستجدة تبرر هذا التحرك القضائي المفاجئ.

وفي سياق الردود السياسية، انتقد المرشح الرئاسي السابق سامي الجلولي بشدة هذه الخطوة، مشيراً إلى أن الغنوشي يمثل نموذجاً لنظافة اليد والمهنية العالية كخبير اقتصادي. وأوضح الجلولي أن الرجل الذي كرمته اليابان بأرفع أوسمتها عام 2022 تقديراً لدوره الاقتصادي، لا يستحق الإحالة إلى القضاء في سن الخامسة والثمانين، بل كان الأجدر تكريمه على جهوده في منع سقوط الدولة في الفوضى الشاملة إبان أزمة 2011.

من جانبها، أفادت مصادر قضائية بأن التحقيقات تتركز حول شبهات استغلال الصفة لتحقيق فائدة لا وجه لها والإضرار بالإدارة، وهي التهم المنصوص عليها في الفصل 96 من المجلة الجزائية التونسية. وتعود جذور الملف إلى فترة إشراف الوزير الأسبق طارق ذياب على وزارة الشباب والرياضة، حيث تم الكشف عن ثغرات في التصرف في المنشآت والصفقات العمومية التابعة للوزارة والحي الوطني الرياضي.

وأشار النائب بدر الدين القمودي إلى المكانة الدولية التي يتمتع بها الغنوشي، مذكراً بتقليده وسام ‘إمبراطورية الشمس البازغة’ من قبل السلطات اليابانية. وأكد القمودي أن هذا التكريم جاء نتيجة إسهامات الغنوشي الفعالة في بناء علاقات اقتصادية متينة جعلت من تونس وجهة رئيسية للاستثمارات اليابانية في القارة الأفريقية، مما يعزز من صورة الرجل كبناء للدولة وليس مفسداً فيها.

وفي ذات السياق، استذكر الإعلامي زياد الهاني مواقف إنسانية للوزير الأول الأسبق، مشيداً بتواضعه وزهده في مظاهر السلطة حتى أثناء توليه أرفع المناصب. ووصف الهاني الملاحقات الحالية بأنها ‘تنكيل وضيع’ بشخصية وطنية قدمت خدمات جليلة للبلاد، معتبراً أن ما يحدث يمثل تراجعاً في قيم الوفاء لرجالات الدولة الذين اختاروا البقاء والمواجهة بدلاً من الهروب وقت الأزمات الكبرى.

وحذر مرصد ‘الحرية لتونس’ من التوسع في توظيف الفصل 96 من المجلة الجزائية، معتبراً أنه قد يتحول إلى أداة فضفاضة للانتقام السياسي وتصفية الحسابات مع رموز المراحل السابقة. وطالب المرصد بضرورة الكشف عن الأساس القانوني والوقائعي لهذه الإحالة، وتوضيح ما إذا كانت هناك عناصر جديدة تبرر إعادة فتح ملف تم الاستماع فيه للغنوشي منذ عام 2013 دون صدور إدانة بحقه.

Facebook Post
Facebook Post
ما يتعرض له محمد الغنوشي من تنكيل هو وصمة عار في سجل السلطة القائمة وعلى جبين البلاد.
Facebook Post
Facebook Post
وشدد المرصد الحقوقي على أهمية احترام مبدأ ‘الأمن القانوني’ وقرينة البراءة، داعياً إلى عدم تحويل التتبعات القضائية إلى وسيلة للدعاية السياسية. وأكد في بيانه على ضرورة ضمان محاكمة عادلة وشفافة تمكن الدفاع من ممارسة حقوقه كاملة، مع تسريع البت في القضايا القديمة لوضع حد لطول أمد التقاضي الذي ينهك المتهمين وعائلاتهم دون طائل.

وتشير التقارير إلى أن الملف يضم قائمة طويلة من المسؤولين السابقين ورجال الأعمال، من بينهم صهر الرئيس الراحل صخر الماطري وليلى الطرابلسي، بالإضافة إلى وزراء سابقين مثل بشير التكاري ورضا قريرة. ويعكس هذا التوسع في التحقيقات محاولة السلطات الحالية مراجعة كافة الصفقات التي تمت في عهد النظام السابق، رغم مرور سنوات طويلة على وقوعها وتغير السياقات السياسية والقانونية.

تاريخياً، يُذكر لمحمد الغنوشي أنه كان صمام الأمان في ليلة 14 يناير 2011، حيث توجه بخطاب تهدئة للتونسيين أعلن فيه توليه الرئاسة مؤقتاً لساعات لضمان استمرارية مؤسسات الدولة. ورغم تشكيله لحكومة وحدة وطنية ضمت أطيافاً مختلفة، إلا أنه اختار الاستقالة في فبراير 2011 استجابة للضغط الشعبي، مفضلاً الانسحاب الهادئ من المشهد السياسي والعودة إلى حياته كمواطن عادي.

ويرى محللون أن محاكمة الغنوشي تفتح الباب مجدداً أمام ملف ‘العدالة الانتقالية’ المتعثر في تونس، حيث تتداخل الرغبة في المحاسبة مع مخاوف من تسييس القضاء. وتطرح هذه القضية تساؤلات جوهرية حول كيفية التعامل مع إرث النظام السابق، وما إذا كانت المحاكمات الجنائية هي الطريق الأمثل لتحقيق المصالحة الوطنية، أم أنها ستزيد من حالة الانقسام المجتمعي والسياسي.

وعلى الصعيد القانوني، يرى قانونيون أن إحالة متهمين في حالة سراح تشير إلى أن المحكمة لا تزال في طور تقييم الأدلة، لكنها في الوقت ذاته تضع قيوداً معنوية وقانونية على الشخصيات المشمولة بالبحث. ويظل التحدي الأكبر أمام القضاء التونسي هو إثبات استقلاليته وقدرته على الفصل في ملفات شائكة تعود لعقود مضت، مع الالتزام بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة بعيداً عن ضغوط الشارع أو السلطة التنفيذية.

وفي ظل هذه التطورات، تترقب الأوساط الحقوقية الجلسات القادمة للدائرة الجنائية، حيث من المتوقع أن يقدم فريق الدفاع دفوعات تتعلق بسقوط الدعوى بمرور الزمن أو غياب الركن المادي للجريمة. وتعتبر هذه القضية اختباراً حقيقياً لمنظومة العدالة في تونس، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع كبار السن من المسؤولين السابقين الذين لم تثبت عليهم تهم فساد مباشر طيلة سنوات ملاحقتهم.

ختاماً، يبقى محمد الغنوشي شخصية مثيرة للجدل؛ فبينما يراه خصومه جزءاً من منظومة الحكم التي ثار ضدها الشعب، يراه أنصاره والمدافعون عنه تكنوقراطاً خدم الدولة بإخلاص وحماها من الانهيار في أصعب لحظاتها التاريخية. وبين هذا وذاك، تظل الكلمة الفصل للقضاء الذي يواجه مسؤولية تاريخية في إنصاف الحقيقة بعيداً عن التجاذبات السياسية التي تعصف بالبلاد.