تتكشف ملامح أزمة جيوسياسية كبرى تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لتلقي بظلالها على أسواق الطاقة وحسابات السياسة في قلب القارة الأوروبية. ولم تعد المعركة محصورة في ضربات صاروخية متبادلة، بل تحولت إلى حرب استنزاف اقتصادية وأخلاقية تمتد من مضيق هرمز الاستراتيجي وصولاً إلى العاصمة الألمانية برلين.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن واشنطن وتل أبيب لم تنجحا حتى الآن في فرض معادلة ردع حاسمة تضمن حماية تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو 20% من الاستهلاك العالمي. هذا الإخفاق أدى إلى قفزات متتالية في أسعار الطاقة، مما يعكس نجاح طهران جزئياً في نقل كلفة الحرب إلى جيوب المستهلكين الغربيين والأسواق العالمية المنهكة أصلاً.
وفي الجانب السياسي، برزت برلين كساحة اختبار رئيسية للضغوط الإيرانية، حيث وجه السفير الإيراني مجيد نيلي رسائل حادة ومباشرة عبر منصة ‘إكس’. ودعا نيلي الأوروبيين للاختيار بين الالتزام بالقانون الدولي أو الوقوف بجانب ‘المعتدي’، محذراً من أن التردد في اتخاذ موقف أخلاقي سيكون له ثمن باهظ يصعب إصلاحه في المستقبل القريب.
ويواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس مأزقاً سياسياً حاداً، حيث يحاول الموازنة بين التحالف الاستراتيجي مع واشنطن وبين تزايد الأصوات الداخلية المعارضة للحرب. ورغم تحميله طهران مسؤولية التصعيد، إلا أن ميرتس اعترف ضمناً بوجود تحفظات ألمانية، مشيراً إلى أنه كان سينصح بعدم الانخراط في الحرب لو جرت استشارة برلين مسبقاً من قبل الإدارة الأمريكية.
في المقابل، أحدث موقف الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير اختراقاً في المشهد السياسي، بوصفه الحرب الأمريكية الإسرائيلية بأنها مخالفة للقانون الدولي. هذا الموقف لقي ترحيباً من الخارجية الإيرانية ووجد صدىً واسعاً داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي، مما كشف عن شروخ عميقة داخل الحكومة الألمانية تجاه طريقة إدارة الأزمة في الشرق الأوسط.
ميدانياً، تواصل الولايات المتحدة تعزيز تواجدها العسكري بنقل آلاف الجنود الإضافيين إلى منطقة الخليج، وسط سيناريوهات تتحدث عن نية السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية الحيوية. ومع ذلك، فإن هذه التحركات لم تترجم حتى الآن إلى نصر حاسم، في ظل معارضة شعبية أمريكية واسعة للحرب وصلت إلى 75% وفقاً لتقديرات خبراء دوليين.
التردد الأوروبي في اتخاذ الموقف الصحيح سيكون مكلفاً ولا يُنسى ويصعب إصلاحه.
وعلى صعيد الدعم الإقليمي، كشفت تقارير عن تقديم تسهيلات لوجستية مصرية للاحتلال الإسرائيلي شملت استخدام مطاري طابا وشرم الشيخ لتسهيل حركة المسافرين والعمليات الجوية. كما رصدت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) رسو سفن شحن عسكرية في الموانئ المصرية، من بينها السفينة ‘MSC Danit’ التي أفرغت حمولة ضخمة من الفولاذ العسكري المخصص للصناعات الدفاعية الإسرائيلية.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى تضرر دول المنطقة بشكل متفاوت، حيث سجلت تركيا تراجعاً في احتياطيات الذهب بمقدار 50 طناً منذ اندلاع المواجهة في فبراير الماضي. وفي مصر، واصل الجنيه انحداره ليتجاوز حاجز 52 مقابل الدولار، بالتزامن مع تراجع ملحوظ في إيرادات قناة السويس نتيجة الاضطرابات الملاحية المستمرة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
إيران من جانبها، تصر على ربط أي تهدئة مستقبلية بملف لبنان والمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية، رغم الاستنزاف الشديد الذي تعرضت له قدراتها الجوية والبحرية. وتؤكد مصادر أن طهران تسعى لاستثمار التباينات الأوروبية لإرباك خصومها سياسياً، مستفيدة من حالة الهشاشة التي يعاني منها الاقتصاد العالمي وخوف الغرب من انفجار شامل في سوق الطاقة.
وفي الداخل الإسرائيلي، اضطرت شركات طيران مثل ‘أركيا’ لنقل عملياتها إلى مطارات بديلة في الأردن ومصر بعد تضرر مطار بن غوريون من القصف الإيراني المركز. وتعتبر تل أبيب الرابح الأكبر عسكرياً حتى الآن نتيجة اختراق البنية التحتية الإيرانية، إلا أن الكلفة الأمنية والسياسية طويلة الأمد لا تزال محل شك في ظل استمرار المواجهة المفتوحة.
وتشير التوقعات إلى أن الحرب قد تترك إيران في أضعف حالاتها منذ عقود، لكنها في الوقت ذاته تستنزف القوة العالمية للولايات المتحدة التي تزداد ديونها بمئات المليارات. هذا الصراع المعقد وضع القوى الأوروبية أمام خيارات صعبة، حيث لم تعد قادرة على البقاء في منطقة رمادية بينما تشتعل النيران في ممرات الطاقة الحيوية وتتأثر أسواقها الداخلية بشكل مباشر.
ختاماً، يبدو أن الرسالة الإيرانية التي انطلقت من هرمز ووصلت صداها إلى برلين تهدف إلى إيصال حقيقة واحدة؛ وهي أن ثمن الحرب لن يقتصر على جغرافيا الشرق الأوسط. فبينما تبحث واشنطن عن إنجاز ميداني يعيد لها زمام المبادرة، تواصل طهران اللعب على أوتار الانقسام الغربي، مما يجعل من أوروبا ساحة خلفية لصراع الإرادات الدولي المحتدم.













