دخلت المواجهة العسكرية بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي أسبوعها السادس، وسط إصرار إيراني لافت على وضع ملف ‘التعويضات’ فوق طاولة أي مفاوضات سياسية محتملة. وأكد المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، في أول بيان رسمي له أن بلاده لن تتنازل عن حقها في الحصول على جبر كامل للأضرار الناجمة عن الهجمات التي وصفتها طهران بغير المشروعة.
وشددت القيادة الإيرانية على أن الانتقام للقتلى والخسائر المادية سيظل مفتوحاً حتى يتحقق بالكامل، مهددة باتخاذ إجراءات أحادية لمصادرة أصول تابعة للدول المعتدية. وأوضح خامنئي أن الامتناع عن دفع التعويضات سيواجه بتدمير ممتلكات موازية في القيمة للعدو، مما يشير إلى نية طهران تصعيد العمليات العسكرية النوعية.
وفي سياق الضغط الاقتصادي، ربطت طهران بشكل مباشر بين إعادة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي وبين تعويض خسائرها المالية. وأفادت مصادر بأن نظام عبور جديد سيتم فرضه، حيث ستخصص جزء من عائداته لتغطية تكاليف إعادة الإعمار، في وقت لا تزال فيه القيود مفروضة على السفن الغربية باستثناءات نادرة.
من جانبه، أكد محسن رضائي، عضو مجلس تشخيص مصلحة النظام أن أي حديث عن وقف إطلاق النار يظل رهناً برفع العقوبات الشاملة ودفع التعويضات. ويرى مراقبون أن هذا الموقف المتصلب يهدف إلى تثبيت توصيف قانوني للحرب باعتبارها عدواناً خارج الأطر الدولية، مما يلزم المعتدي بتبعات مالية وقانونية.
على الصعيد الدبلوماسي، برز تحرك قطري لافت في أروقة الأمم المتحدة، حيث طالبت الدوحة طهران بتحمل مسؤولياتها القانونية الكاملة عن الأضرار الناتجة عن التصعيد الأخير. وتعكس هذه التحركات القلق الإقليمي المتزايد من استمرار إغلاق الممرات المائية الحيوية وتأثير ذلك على أمن الطاقة العالمي.
قانونياً، تستند المطالب الإيرانية إلى وثيقة ‘مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة’ الصادرة عن الأمم المتحدة عام 2001، والتي تنص على ضرورة تقديم ‘جبر كامل’. ويشمل هذا الجبر استعادة الحالة السابقة (الرد)، والتعويض المالي عن الخسائر البشرية والمادية، والترضية المعنوية عبر الاعتذار الرسمي.
ورغم وضوح هذه القواعد في القانون الدولي، إلا أنها تفتقر إلى صفة الإلزام المباشر ما لم تصدر عن محكمة العدل الدولية في حكم واجب النفاذ. وتاريخياً، ترفض الولايات المتحدة الاعتراف بأي قرارات تمس سيادتها أو حليفتها إسرائيل، واصفة المحاكم الدولية بأنها منصات مسيسة وغير فعالة.
سنطالب العدو بالتعويضات، وإن امتنع فسنأخذ من أمواله بقدر ما نراه مناسباً، وإن لم يتيسر ذلك فسندمر من ممتلكاته بالمقدار نفسه.
وبالنظر إلى السجل التاريخي الأمريكي، يتبين أن واشنطن لم تدفع تعويضات صريحة عن حروب وصفتها بالشرعية، بل لجأت لتسويات مالية مقابل أراضٍ. ففي الحرب المكسيكية عام 1848، دفعت واشنطن 15 مليون دولار مقابل ترسيم الحدود وضم أراضٍ جديدة، وهو ما تكرر مع إسبانيا في جزر الفلبين عام 1898.
ميدانياً، تتزايد المخاوف من لجوء الإدارة الأمريكية لخيار السلاح النووي التكتيكي لكسر الجمود العسكري الحالي بعد ستة أسابيع من القتال. وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد هدد إيران بـ ‘جحيم’ عسكري إذا لم يتم التوصل لاتفاق يضمن فتح مضيق هرمز خلال ساعات قليلة.
وتسببت الحرب في هزات اقتصادية عنيفة في المنطقة، حيث سجلت مصر خروج استثمارات أجنبية قدرت بنحو 9 مليارات دولار منذ بدء العمليات العسكرية. كما تضاعفت فاتورة استيراد الطاقة المصرية لتصل إلى 1.1 مليار دولار شهرياً، مما زاد من الضغوط على الدين الحكومي الذي تجاوز 82% من الناتج المحلي.
وفي الأسواق المحلية، انعكست تداعيات الحرب على أسعار السلع الأساسية والمعادن الثمينة، حيث قفز سعر الذهب عيار 21 في مصر إلى مستويات قياسية بلغت 7150 جنيهاً. ويعزو الخبراء هذا الارتفاع إلى حالة اليقين والاضطراب في سلاسل التوريد العالمية نتيجة إغلاق الممرات المائية في الخليج.
وتراهن إيران في صمودها على امتلاكها لثاني أكبر احتياطي نفطي في منظمة أوبك، وقدرتها على تعطيل التجارة العالمية عبر مضيق هرمز. ورغم السماح لبعض السفن، مثل السفينة الفرنسية (CMA CGM)، بالمرور مؤخراً، إلا أن الملاحة لا تزال تحت رحمة التفاهمات السياسية المعقدة.
وتشير التقارير إلى أن القوات الإيرانية نجحت في إسقاط ثلاث طائرات عسكرية أمريكية خلال عمليات إنقاذ طيارين وصفتها واشنطن بالجريئة. هذه الاشتباكات المباشرة تزيد من تعقيد ملف التعويضات، حيث يرى كل طرف أنه صاحب الحق في المطالبة بجبر الضرر عن خسائره البشرية والمعداتية.
في نهاية المطاف، يبدو أن الفجوة بين مطالب طهران ورفض واشنطن تنذر بإطالة أمد الصراع دون أفق قريب للحل. وإذا لم تنجح الوساطات الدولية في إيجاد صيغة وسطى بشأن ‘أموال العبور’ في هرمز، فإن المنطقة قد تنجرف نحو مواجهة شاملة تتجاوز حدود الصراع الحالي.













