أفادت مصادر إعلامية بأن السلطات الجزائرية استأنفت بهدوء عملية إعادة قبول مواطنيها الصادرة بحقهم قرارات ترحيل من الأراضي الفرنسية (OQTF). وتأتي هذه الخطوة بعد أشهر من الجمود والتعطيل الذي شاب هذا الملف الحساس، حيث وصفت الدوائر الدبلوماسية في باريس هذه العودة بأنها انفراجة مهمة رغم أن الأرقام المسجلة حتى الآن لا تزال متواضعة.
وتشير المعطيات إلى أن التحركات الأخيرة لوزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، خلال زيارته الأخيرة إلى الجزائر العاصمة، بدأت تؤتي ثمارها على أرض الواقع. وقد نجحت القنوات الرسمية في استعادة لغة الحوار التقني بعيداً عن الأضواء، مما سمح بإعادة تفعيل آليات التنسيق الأمني والقنصلي التي كانت متوقفة نتيجة التوترات السياسية المتلاحقة بين البلدين.
ورغم هذا التقدم في ملف الهجرة، إلا أن الساحة الإعلامية شهدت تصعيداً حاداً من جانب وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية ضد المدعي الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب، أوليفييه كريستين. وجاء هذا الهجوم رداً على تصريحات للأخير وضع فيها الجزائر ضمن قائمة دول ترتبط بملفات ‘إرهاب الدولة’، إلى جانب قوى دولية أخرى مثل إيران وروسيا.
واعتبرت الأوساط الرسمية في الجزائر أن إقحام اسمها في هذا السياق يمثل تصرفاً غير مسؤول ومتهوراً، خاصة بالنظر إلى التاريخ الطويل للبلاد في مكافحة الإرهاب خلال تسعينيات القرن الماضي. وذكرت مصادر مطلعة أن الجزائر كانت شريكاً أساسياً لباريس في محاربة الجماعات المتطرفة، وأن مساواتها بدول أخرى في هذا الملف يعد إنكاراً لجهودها وتضحياتها.
وفي قلب هذا التوتر القضائي، يبرز ملف موظف قنصلي جزائري جرى توقيفه في باريس خلال شهر أبريل من عام 2025. وتتهم السلطات الفرنسية الموظف بالتورط في محاولة اختطاف ناشط معارض يوصف بأنه مؤثر رقمي، بينما تؤكد الجزائر أن الناشط المعني مطلوب دولياً في قضايا تتعلق بالاحتيال والجرائم الإرهابية الخطيرة.
وتولت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب في فرنسا التحقيق في هذه القضية، حيث كُلف جهاز الاستخبارات الداخلية وفرق الجرائم الكبرى بمتابعة الملف. ويبدو أن القضية خرجت عن نطاق السيطرة الدبلوماسية المباشرة للإليزيه ووزارة الخارجية، لتصبح بيد القضاء الفرنسي الذي قرر تمديد الحبس الاحتياطي للموظف القنصلي لعام إضافي.
الآلة انطلقت مجددًا وهذا هو المهم؛ لقد تمت استعادة الحوار عبر القنوات الرسمية رغم أن الأرقام ليست مذهلة بعد.
وكانت وزارة الخارجية الجزائرية قد استدعت القائم بالأعمال الفرنسي للاحتجاج رسمياً على ظروف احتجاز موظفها، معبرة عن استنكارها الشديد للطريقة التي يتم التعامل بها معه. وترى الجزائر أن هذه القضية تُستخدم كأداة ضغط سياسي، في حين تصر باريس على استقلالية القضاء وعدم قدرة السلطة التنفيذية على التدخل في مسار التحقيقات الجارية.
وعلى صعيد آخر، برز خلاف جديد حول ملف استرداد الأموال المنهوبة التي تم تهريبها إلى الخارج خلال حقبة النظام السابق. وأعلن وزير الشؤون الخارجية الجزائري أن بلاده أرسلت 61 طلب تحري إلى السلطات الفرنسية في هذا الإطار، مؤكداً أن هذه الطلبات لم تلقَ أي رد فعلي حتى الآن، وهو ما يثير تساؤلات حول جدية التعاون القضائي.
في المقابل، تنفي مصادر فرنسية هذه الادعاءات، مؤكدة أن القضاء الفرنسي قدم المساعدة في عدة مناسبات دون أن يتلقى ردوداً واضحة من الجانب الجزائري. هذا التضارب في الأرقام والروايات يعكس عمق الفجوة في الثقة بين المؤسسات القضائية في كلا البلدين، رغم المحاولات المستمرة لتطبيع العلاقات الثنائية على المستويات العليا.
ولم تقتصر الانتقادات الجزائرية على الملفات القضائية، بل امتدت لتشمل التحركات الدبلوماسية الفرنسية الأخيرة، ومنها زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الفاتيكان. وربطت وسائل إعلام جزائرية بين هذه الزيارة والزيارة المرتقبة للبابا ليو الرابع عشر إلى الجزائر، ملمحة إلى محاولات فرنسية للتأثير على قضايا قضائية معينة عبر وساطات دينية.
وتسعى باريس لتهدئة الأجواء من خلال إرسال شخصيات ذات ثقل دبلوماسي واقتصادي إلى الجزائر في الفترة المقبلة. ومن المتوقع أن تزور آن-كلير لوجاندر، المستشارة السابقة لماكرون، الجزائر نهاية شهر أبريل، في محاولة لترميم الجسور المكسورة والاستفادة من علاقاتها الواسعة داخل قصر المرادية الرئاسي.
كما يتوقع أن يرافق هذه التحركات الدبلوماسية وفد اقتصادي رفيع المستوى بقيادة باتريك مارتين، رئيس جمعية أرباب العمل الفرنسية. وتهدف هذه الزيارات المتتالية إلى البحث عن قواسم مشتركة في الملفات الاقتصادية والاستثمارية، لعلها تنجح في تخفيف حدة الخلافات السياسية والأمنية التي لا تزال تفرض ظلالها على علاقة البلدين.













