تتجه الأنظار نحو العاصمة الباكستانية إسلام آباد التي تستعد لاستضافة جولة جديدة من المحادثات المتعلقة بالملف النووي الإيراني، وسط أنباء عن تقديم طهران لتنازلات جوهرية. وأفادت مصادر دبلوماسية بأن القيادة الإيرانية أبدت موافقة مبدئية على تسليم كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب، في خطوة تهدف إلى كسر الجمود المحيط بالاتفاق النووي وتخفيف وطأة العقوبات الدولية.
ورغم هذا التقدم، لا يزال الجدل محتدماً حول الوجهة النهائية لهذا المخزون الحساس، حيث برزت روسيا كخيار محتمل لاستقبال المواد النووية، بينما تطالب الولايات المتحدة بدور مباشر في تحديد وجهتها. وفي الوقت ذاته، تدرس الوكالة الدولية للطاقة الذرية إمكانية وضع ترتيبات خاصة لتخزين هذه المواد تحت إشرافها المباشر، وهو ما لم يحظَ بتوافق نهائي بين الأطراف المعنية حتى الآن.
وعلى صعيد التحركات الإقليمية، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالاً هاتفياً بنظيره الباكستاني إسحاق دار، بحثا خلاله ترتيبات الجولة الثانية من المحادثات. ووصف عراقجي خلال الاتصال النوايا الأمريكية بأنها غير جادة وتتسم بالتناقض، مشتكياً من استمرار التهديدات ضد الموانئ الإيرانية رغم الحديث عن تفاهمات لوقف إطلاق النار.
من جانبها، قدمت باكستان مقترحات ملموسة للإدارة الأمريكية تهدف إلى تخفيف القيود البحرية المفروضة على الموانئ الإيرانية لتسهيل حركة التجارة الإقليمية. وحثت إسلام آباد طهران في المقابل على تقديم ضمانات واضحة بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن استقرار الممرات المائية الدولية يمثل مصلحة مشتركة لجميع الأطراف المنخرطة في المفاوضات.
وفيما يخص الحوافز الاقتصادية، كشفت مصادر مطلعة أن واشنطن أبدت استعداداً أولياً للإفراج عن نحو 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، شريطة استخدامها في أغراض مدنية وإنسانية. إلا أن طهران أبدت تحفظات واضحة على هذا العرض، معتبرة أن المبلغ لا يلبي احتياجاتها الفعلية، فضلاً عن رفضها القاطع لأي رقابة أمريكية على آليات صرف هذه الأموال.
ويبقى ملف الصواريخ الباليستية حجر عثرة رئيسياً في طريق الاتفاق، حيث يرفض الحرس الثوري الإيراني إدراج هذا الملف على طاولة المفاوضات أو قبول أي قيود على قدراته الدفاعية. وترى القيادة العسكرية في طهران أن برنامج الصواريخ يمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، مما يضع المفاوضين السياسيين في موقف معقد أمام المطالب الدولية المتزايدة.
أما بخصوص الملاحة في مضيق هرمز، فقد شهدت المواقف الإيرانية تراجعاً ظاهرياً عن مطلب فرض رسوم عبور على السفن التجارية، لكنها ربطت فتح المضيق بشكل كامل برفع الحصار الاقتصادي. وتعكس هذه المناورات صراعاً داخلياً بين الجناح الدبلوماسي الذي يسعى للتهدئة، وقيادات في الحرس الثوري تصر على استخدام أوراق القوة البحرية للضغط على المجتمع الدولي.
المرونة الإيرانية الحالية ناتجة عن ضغوط اقتصادية خانقة واستنزاف كبير في الاحتياطيات النقدية، وتفاقم أزمات الفقر والبطالة.
وتشير التقديرات إلى أن المرونة النسبية التي تبديها طهران حالياً تعود بشكل أساسي إلى الانهيار الاقتصادي المتسارع وفقدان السيطرة على معدلات التضخم التي تجاوزت 100%. وقد أدى قطع الإنترنت المتكرر والاضطرابات الداخلية إلى شلل في الاقتصاد الرقمي، مما أثر بشكل مباشر على مصادر دخل ملايين الإيرانيين الذين يعتمدون على الشبكة في أعمالهم اليومية.
وتواجه البنية التحتية الصناعية في إيران، وخاصة قطاعي البتروكيماويات والصلب، تحديات هائلة نتيجة تعطل سلاسل الإمداد والضربات التي طالت المنشآت الحيوية. وقد تسبب هذا التدهور في موجات تسريح واسعة للعمال، مما رفع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، وزاد من حالة الاحتقان الاجتماعي التي تهدد بالانفجار في أي لحظة.
وتشير الأرقام إلى أن الحصار المفروض على صادرات النفط يكبد الخزينة الإيرانية خسائر يومية فادحة تتراوح بين 100 و150 مليون دولار، مما استنزف الاحتياطيات النقدية للبلاد. وبلغت الخسائر التراكمية منذ بدء التصعيد نحو 270 مليار دولار، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف الميزانية السنوية للحكومة، مما يضع النظام أمام خيارات صعبة للبقاء.
وفي ظل هذا الركود التضخمي، تراجعت القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد، ولم تسلم حتى رواتب موظفي القطاع العام وعناصر الحرس الثوري من هذا التدهور. ويحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة الاقتصادية قد يؤدي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل الفئات التي كانت تُعتبر تقليدياً من القواعد المؤيدة للنظام الحاكم.
وعلى الرغم من التفاؤل الحذر الذي أبداه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سير المحادثات، إلا أن الإدارة الأمريكية تشدد على ضرورة التزام كافة أجنحة النظام الإيراني بأي اتفاق مستقبلي. وتخشى واشنطن من تكرار سوابق سابقة تم فيها التراجع عن تفاهمات سياسية بضغوط من القيادات العسكرية المتشددة داخل طهران.
وتسعى باكستان من خلال دورها كوسيط إلى تقريب وجهات النظر في جولة إسلام آباد المرتقبة، مع التركيز على ملفات التجارة البينية وتأمين الممرات المائية. وتأمل إسلام آباد أن تؤدي مشاركة إيران الرسمية في هذه الجولة إلى وضع إطار زمني واضح لرفع العقوبات مقابل خطوات ملموسة في الملف النووي.
ختاماً، يبقى نجاح محادثات إسلام آباد رهناً بقدرة الأطراف على تجاوز فجوة الثقة العميقة والاتفاق على آليات تنفيذية تضمن مصالح الجميع. وبينما تبحث طهران عن طوق نجاة لاقتصادها المتهالك، تصر القوى الدولية على ضمانات أمنية شاملة تتجاوز حدود البرنامج النووي لتشمل السلوك الإقليمي والقدرات الصاروخية.













