كشفت مصادر مسؤولة في وزارة الدفاع الأمريكية عن وجود مداولات داخلية مكثفة تهدف إلى صياغة إجراءات عقابية ضد عدد من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتأتي هذه التحركات على خلفية ما تصفه واشنطن بالتقاعس عن تقديم الدعم اللازم للعمليات العسكرية الجارية في سياق الحرب مع إيران، والتي شهدت تصعيداً كبيراً في الآونة الأخيرة.
ووفقاً لمذكرة بريد إلكتروني داخلية جرى تداولها في البنتاغون، فإن الخيارات المطروحة تتضمن إجراءات غير مسبوقة قد تعيد تشكيل خارطة التحالفات الدولية. ومن أبرز هذه المقترحات تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، بالإضافة إلى مراجعة الدعم الأمريكي التاريخي لبريطانيا في ملف السيادة على جزر فوكلاند، وهو ما يمثل ضغطاً سياسياً مباشراً على لندن.
وأوضحت مصادر مطلعة أن الوثيقة تعبر عن حالة من خيبة الأمل العميقة لدى القيادات العسكرية الأمريكية تجاه تردد بعض الحلفاء في منح تسهيلات عسكرية حيوية. وتشمل هذه التسهيلات حقوق الوصول إلى القواعد العسكرية، والتمركز، والعبور الجوي، وهي امتيازات تعتبرها واشنطن الحد الأدنى من الالتزامات المفروضة على أعضاء الحلف في أوقات الأزمات.
وفي سياق متصل، تتضمن المقترحات استبعاد الدول التي وُصفت بأنها ‘صعبة المراس’ من تولي مناصب قيادية أو حساسة داخل هيكلية حلف الناتو. ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى تهميش القوى الأوروبية التي تعارض الانخراط المباشر في النزاعات المسلحة التي تقودها الولايات المتحدة خارج النطاق التقليدي للحلف.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد صعد من لهجته الهجومية تجاه الحلفاء، منتقداً بشدة عدم إرسال قوات بحرية للمساهمة في تأمين مضيق هرمز. ويشهد المضيق حالة من الشلل الملاحي منذ اندلاع الحرب الجوية في فبراير الماضي، مما أدى إلى أزمة طاقة عالمية وتوترات اقتصادية حادة.
ولوّح ترمب في تصريحات أدلى بها مطلع شهر أبريل الجاري بإمكانية انسحاب الولايات المتحدة بشكل كامل من الحلف إذا استمر الحلفاء في موقفهم الحالي. وتساءل الرئيس الأمريكي أمام الصحفيين عما إذا كان أي زعيم مكانه سيقبل باستمرار تحمل أعباء الدفاع عن دول ترفض التعاون في اللحظات الحرجة.
الحلفاء لم يقفوا إلى جانب الولايات المتحدة رغم ما قدمته لهم، ونحن نعمل على ضمان توفير خيارات موثوقة للرئيس للرد على هذا الموقف.
من جانبها، أكدت المتحدثة باسم البنتاغون، كينغسلي ويلسون أن الإدارة الأمريكية ملتزمة بتوفير خيارات استراتيجية وموثوقة للرئيس للتعامل مع هذا الملف. وأشارت ويلسون إلى أن الحلفاء لم يظهروا التضامن المطلوب رغم المظلة الأمنية والدعم الواسع الذي قدمته واشنطن لهم على مدار عقود طويلة.
وعلى الصعيد الميداني، أبدت واشنطن استياءً خاصاً من الموقف الإسباني الذي منع استخدام القواعد الجوية والمجال الجوي في العمليات الموجهة ضد الأهداف الإيرانية. ورغم أن تعليق عضوية مدريد قد يكون له تأثير رمزي أكثر منه عسكري، إلا أنه يبعث برسالة قوية حول جدية التهديدات الأمريكية بإعادة تقييم التحالفات.
وفي العاصمة البريطانية، يسود القلق من احتمال تحول الموقف الأمريكي تجاه جزر فوكلاند لصالح الأرجنتين، التي يتمتع رئيسها بعلاقات وثيقة مع ترمب. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد واجه انتقادات أمريكية لاذعة بسبب تحفظه على المشاركة الهجومية، مكتفياً بالسماح باستخدام القواعد لمهام دفاعية فقط.
ويرى محللون دبلوماسيون أن الحرب الحالية مع إيران وضعت مستقبل حلف الناتو على المحك، حيث تزايدت المخاوف الأوروبية من تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع الجماعي. وتصر دول مثل فرنسا وبريطانيا على أن المشاركة في الحصار البحري تعني الدخول في حرب شاملة، وهو ما يفضلون تجنبه حتى التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار.
وفي تصريح لافت، أشار وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى أن المعطيات الاستخباراتية تؤكد قدرة الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى على الوصول إلى العمق الأوروبي. واعتبر هيغسيث أن هذا التهديد يجعل من مصلحة الأوروبيين الانخراط بشكل أكبر في المجهود الحربي الأمريكي لتحييد هذه القدرات قبل فوات الأوان.













