انعطافة دبلوماسية: دمشق ترفع علمها في الرباط وتطوي صفحة عقود من القطيعة

16 مايو 2026آخر تحديث :
انعطافة دبلوماسية: دمشق ترفع علمها في الرباط وتطوي صفحة عقود من القطيعة

لم تكن مراسم رفع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، علم بلاده فوق مبنى السفارة السورية في الرباط مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل مثلت لحظة رمزية مكثفة تختصر مساراً طويلاً من التحولات السياسية. هذه الخطوة تعكس تغيراً عميقاً في الوعي والخيارات الاستراتيجية التي أعادت تشكيل ملامح المنطقة العربية بعد سنوات من الانكسارات والقطيعة.

تأتي عودة البعثة الدبلوماسية السورية إلى المغرب لتعلن بشكل ضمني نهاية حقبة اتسمت بالتوتر، وبداية مرحلة جديدة تختلف في خطابها وأهدافها. لسنوات طويلة، ظلت العلاقات بين البلدين رهينة لإرث سياسي ثقيل صنعه النظام السوري السابق، الذي وضع دمشق في مواجهة مباشرة مع المصالح المغربية العليا.

لقد كان انحياز دمشق السابق لأطروحات جبهة البوليساريو، وتقديم الدعم السياسي والإعلامي لها، يمثل بالنسبة للمغاربة مساساً صريحاً بوحدة مملكتهم الترابية. هذا الموقف حول العاصمة السورية لسنوات إلى منصة لدعم الحركات الانفصالية، ضمن شبكة تحالفات إقليمية ضمت أطرافاً راديكالية أدت في النهاية إلى عزلة دمشق.

وعلى الرغم من الخلاف السياسي الحاد مع النظام، إلا أن الرباط حرصت على التمييز بين موقفها من السلطة وعلاقتها بالشعب السوري. فمنذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تبنى المغرب موقفاً إنسانياً وأخلاقياً واضحاً، داعماً لتطلعات السوريين نحو التغيير والحرية بعيداً عن الحسابات الضيقة.

تبرز استضافة المغرب لمؤتمر ‘أصدقاء سوريا’ في عام 2012 كواحدة من أهم المحطات التي جسدت هذا الدعم، حيث جمعت الرباط عشرات الدول للاعتراف بحق السوريين في تقرير مصيرهم. لم يكن ذلك الاجتماع مجرد تظاهرة دبلوماسية، بل كان رسالة سياسية قوية ضد منطق العنف والحلول الأمنية التي انتهجتها السلطة آنذاك.

إنسانياً، فتح المغرب أبوابه لمئات العائلات السورية الفارة من ويلات الحرب، ووفر لهم فرص الإقامة والعمل والتعليم دون اعتبارهم عبئاً أمنياً. كما امتدت المبادرات المغربية إلى خارج الحدود عبر إقامة مستشفى ميداني في مخيم الزعتري بالأردن، لتقديم الرعاية الطبية اللازمة للاجئين السوريين في ظروفهم القاسية.

هذا الترابط الإنساني له جذور تاريخية وثقافية عميقة، تتجسد في استقبال الملك الراحل الحسن الثاني للشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري. فقد وجد الأميري في المغرب ملاذاً آمناً وتقديراً فكرياً بعد التضييق الذي واجهه في بلاده، مما عكس الفرق بين دولة تحتفي بالمثقف ونظام يراه تهديداً.

إعادة فتح السفارة السورية في الرباط لا تعني مجرد استئناف العلاقات، بل تعكس إعلاناً ضمنياً عن نهاية مرحلة كاملة وبداية أخرى مختلفة في رهاناتها.
اليوم، ومع حديث القيادة السورية الجديدة عن ‘فتح صفحة جديدة’، يبدو أن هناك مراجعة حقيقية للسياسات التي قادت سوريا نحو التفكك والعزلة الدولية. إن الإشارات المتكررة من دمشق بضرورة احترام سيادة المغرب ووحدته الترابية تمثل حجر الزاوية في بناء علاقة دبلوماسية مستدامة وقوية.

إن إعادة فتح السفارة في هذا التوقيت الحساس تأتي بينما يعيد العالم العربي تشكيل توازناته بعد عقد من الصراعات الدامية والاستقطابات الحادة. سوريا الخارجة من ركام الاستبداد تبحث اليوم عن استعادة عمقها العربي عبر بوابة المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول، بعيداً عن شعارات ‘الممانعة’ القديمة.

لقد أثبتت التجارب المريرة أن الشعارات الأيديولوجية التي رفعت لعقود لم تساهم في حماية القرار العربي المستقل، بل عمقت الانقسامات البينية. لذا، فإن مشهد الدبلوماسية السورية في الرباط يكرس نهجاً براغماتياً جديداً يعتمد الحوار والتقارب كمدخل واقعي لترميم العلاقات العربية المتضررة.

ليست السفارات في جوهرها مجرد مبانٍ إدارية، بل هي مرايا تعكس رغبة الشعوب في التواصل وتجاوز الخصومات التاريخية والمحاور المغلقة. ما حدث في الرباط يتجاوز الإجراء الإداري ليكون محاولة جادة لترميم الذاكرة العربية التي أنهكتها السياسات الإقصائية والحروب الطويلة.

يدرك السوريون اليوم، بعد الأثمان الباهظة التي دفعوها أن العودة للمحيط العربي تتطلب عقلية سياسية جديدة تختلف تماماً عما كان سائداً لنصف قرن. كما يدرك المغاربة أن وقوفهم مع الشعب السوري كان استثماراً أخلاقياً في مستقبل عربي يقوم على التضامن الحقيقي لا الشعارات الزائفة.

إن الرباط اليوم تبدو أقرب إلى ‘دمشق الحرة’ التي تتطلع للمستقبل، بعيداً عن إرث البعث الذي خاصم روح العروبة في لحظات تاريخية فارقة. هذه اللحظة تؤكد أن المنطقة العربية لا تزال قادرة على إنتاج المصالحات رغم كل الندوب التي خلفتها الصراعات السياسية والعسكرية.

يبقى الأمل معلقاً على أن تمتد هذه الروح التصالحية لتشمل العلاقات المغربية الجزائرية، لإنهاء النزيف الصامت في جسد المغرب الكبير. فالتاريخ والجغرافيا يفرضان على الأشقاء العودة للحكمة، وإدراك أن المستقبل المشترك لا يُبنى إلا بالتعاون وتجاوز جراح الماضي من أجل الأجيال القادمة.