تصاعدت حدة التوترات السياسية في الولايات المتحدة عقب توجيه قيادات بارزة في الحزب الديمقراطي اتهامات مباشرة بالفساد للرئيس دونالد ترمب. وجاءت هذه التحركات بعد الكشف عن وثائق مالية تظهر تنفيذ صفقات ضخمة في أسواق الأسهم العالمية جرت تحت اسمه الشخصي، مما أثار تساؤلات قانونية وأخلاقية واسعة.
وشنت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن هجوماً حاداً عبر منصة ‘إكس’، وصفت فيه ممارسات الرئيس بأنها تمثل ‘كارثة على الأمن القومي’. وركزت وارن في انتقاداتها على عمليات تداول مشبوهة لأسهم شركة ‘إنفيديا’ الرائدة في صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى وجود رابط بين قرارات سياسية وأرباح مالية.
واتهمت وارن الإدارة الأمريكية بتسهيل مبيعات الشركة للصين، وهو ما أدى بدوره إلى قفزة مؤقتة في قيمة السهم السوقية. واعتبرت أن هذه الخطوات تعكس تضارباً صارخاً في المصالح، خاصة مع وجود استثمارات تقدر بملايين الدولارات باسم ترمب في ذات الشركة التي استفادت من التسهيلات التجارية.
وكشفت التقارير أن ترمب اصطحب معه جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة ‘إنفيديا’، خلال زيارته الرسمية الأخيرة إلى بكين. ووفقاً للاتهامات، فقد مارس الرئيس ضغوطاً على نظيره الصيني شي جين بينغ لزيادة مشتريات بلاده من الرقائق المتطورة، رغم التحذيرات الأمنية من خطورة هذه التكنولوجيا.
في المقابل، سارع إريك ترمب، الذي يتولى إدارة جزء من إمبراطورية العائلة التجارية، لنفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً. وأكد في تصريحات صحفية أن كافة أصول العائلة تدار عبر صندوق استثماري مستقل تشرف عليه مؤسسة مالية كبرى، دون تدخل مباشر من أفراد العائلة في قرارات البيع أو الشراء.
ووصف نجل الرئيس الاتهامات المتداولة بشأن التداول الفردي للأسهم بأنها ‘محض كذب وافتراء’ تهدف للنيل من سمعة والده السياسية. وشدد على أن وجوده في رحلة الصين كان بصفة شخصية، وأن مرافقة رجال الأعمال للرئيس في جولاته الخارجية هو إجراء روتيني لدعم الاقتصاد الأمريكي.
من جانبه، دخل حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، على خط المواجهة واصفاً ترمب بأنه ‘الرئيس الأكثر فساداً في تاريخ الولايات المتحدة’. وتعكس هذه التصريحات القاسية حجم الانقسام السياسي العميق في واشنطن حيال ملف الذمة المالية للرئيس الحالي وطريقة إدارته لثروته.
فساد الرئيس كارثة على الأمن القومي، والضغط على الصين لشراء رقائق متطورة يشكل تهديداً مباشراً لمصالحنا.
وأظهرت الوثائق المسربة أن حجم المعاملات المالية التي نُفذت مؤخراً باسم ترمب تجاوز حاجز الـ 200 مليون دولار. وشملت هذه المحفظة الاستثمارية أسهماً في كبريات الشركات التكنولوجية والصناعية مثل أمازون، وأبل، ومايكروسوفت، بالإضافة إلى عملاق الطيران بوينغ.
ويثير هذا النشاط المالي المكثف مخاوف المراقبين بشأن مدى التزام البيت الأبيض بقواعد الفصل بين السلطة والأعمال الخاصة. وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقارير إلى تخفيف القيود الأخلاقية التي كانت مفروضة خلال الولاية الرئاسية الأولى لترمب، مما فتح الباب أمام استثمارات خارجية مثيرة للجدل.
وبحسب تقديرات مجلة ‘فوربس’ الصادرة في مارس 2026، فقد شهدت ثروة ترمب الشخصية نمواً ملحوظاً لتصل إلى 6.5 مليارات دولار. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 1.4 مليار دولار خلال عام واحد فقط، وهو ما يغذي اتهامات الديمقراطيين باستغلال المنصب الرئاسي لتنمية الثروة الخاصة.
ويرى محللون سياسيون أن هذه القضية قد تتحول إلى مادة دسمة للتحقيقات البرلمانية في الكونغرس خلال الفترة المقبلة. إذ يسعى الديمقراطيون للحصول على تفاصيل أكثر دقة حول توقيت صفقات الأسهم ومدى تقاطعها مع القرارات التنفيذية التي اتخذها الرئيس بشأن التجارة مع الصين.
وتشكل قضية رقائق الذكاء الاصطناعي حساسية خاصة نظراً لارتباطها بالتنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين. فبينما تحاول المؤسسات الأمنية تقييد وصول الصين لهذه التقنيات، تظهر التحركات الأخيرة للرئيس توجهاً مغايراً يخدم المصالح التجارية المباشرة لشركات يمتلك فيها أسهماً.
وعلى الرغم من النفي المتكرر من عائلة ترمب، إلا أن غياب الشفافية الكاملة حول ‘الصندوق الأعمى’ الذي يدير أموالهم يظل نقطة ضعف يستغلها الخصوم. وتطالب المنظمات الرقابية بضرورة تجديد إجراءات تجميد الاستثمارات الخارجية لضمان عدم تأثر السياسة الخارجية بالمصالح المالية الشخصية.
ويبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع استمرار تسريب الوثائق المالية التي تكشف حجم التداخل بين القطاع الخاص والقرار السياسي. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يترقب الشارع الأمريكي ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مواجهات قانونية قد تعيد صياغة معايير النزاهة في الرئاسة الأمريكية.













