إدارة ترامب تتبنى رواية ‘التأسيس المسيحي’ لأمريكا بفعالية صلاة كبرى في واشنطن

18 مايو 2026آخر تحديث :
إدارة ترامب تتبنى رواية ‘التأسيس المسيحي’ لأمريكا بفعالية صلاة كبرى في واشنطن

تتجه الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب نحو إحداث تغيير جوهري في السردية الوطنية للولايات المتحدة، من خلال الدفع برواية تعتبر البلاد دولة تأسست على طابع مسيحي صرف. وتتجسد هذه الجهود في تنظيم فعالية صلاة ضخمة تمتد لتسع ساعات في قلب العاصمة واشنطن، وذلك ضمن التحضيرات الجارية للاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس البلاد، بمشاركة واسعة من قيادات دينية وسياسية.

وأفادت مصادر صحفية بأن البرنامج المعد لهذه الفعالية يربط بشكل وثيق بين الجوانب الدينية والسياسية، حيث يسعى المنظمون لتعزيز حضور الدين في الحياة العامة. وتتبنى هذه السردية تيارات مؤثرة داخل حركة ‘ماغا’ المؤيدة لترامب، والتي ترى في هذه المناسبة فرصة لإعادة صياغة التاريخ الأمريكي بما يتوافق مع رؤيتها المحافظة.

وبث القائمون على الحدث مقطعاً ترويجياً يظهر فيه صليب موضوع فوق العلم الأمريكي يخرج من الظلام، مصحوباً بموسيقى درامية توحي بالمعارك الملحمية. ويتضمن المقطع تصريحات لقساوسة إنجيليين يصفون الولايات المتحدة بأنها أمة مكرسة منذ البداية لإله الكتاب المقدس، داعين الجمهور للمشاركة في تجمع ‘ناشيونال مول’ يوم 17 مايو المقبل.

ومن المتوقع أن يشهد التجمع توافد آلاف المشاركين لحضور طقوس دينية وخطابات وطنية تضع المسيحية في قلب السرد التاريخي الأمريكي. وتعد هذه الخطوة تتويجاً لجهود استمرت سنوات داخل التيار اليميني المؤثر، بهدف تقليص المسافة بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الحكم في واشنطن.

وتشير التقارير إلى أن الرئيس دونالد ترامب سيوجه رسالة مصورة للمشاركين، مؤكداً دعمه لهذا التوجه الذي يربط القوة الأمريكية ببعد إلهي. كما يشارك في الفعالية كبار أركان الإدارة، وفي مقدمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، مما يضفي صبغة رسمية على هذا النشاط الديني.

من جانبه، يبرز رئيس مجلس النواب مايك جونسون كأحد أهم المدافعين عن هذا التوجه، حيث صرح بأن مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة غالباً ما يُساء فهمه في الأوساط السياسية. ويرى جونسون أن الآباء المؤسسين كانوا يهدفون لحماية الكنيسة من تغول الدولة، وليس عزل الدين عن التأثير في القرار السياسي والتشريعي.

في المقابل، واجهت هذه التحركات انتقادات حادة من قبل مؤرخين وأكاديميين بارزين، اعتبروا أن محاولة صبغ الدولة بالهوية المسيحية تتناقض مع الحقائق التاريخية. وأكد المؤرخ جوزيف إليس أن الآباء المؤسسين رفضوا صراحة النموذج الأوروبي القائم على الهوية الدينية الواحدة، واختاروا بدلاً من ذلك نظاماً يقوم على التعددية.

إن فكرة تأسيس الولايات المتحدة كدولة مسيحية صراحة هي فكرة غير منطقية وخاطئة تماماً، وتشوه معنى الثورة الأمريكية القائم على الفصل بين المؤسسات.
وحذر إليس من أن هذا الطرح يشوه جوهر الثورة الأمريكية التي قامت على مبادئ الفصل الواضح بين المؤسسات الدينية والسياسية. وأضاف أن محاولة دمج الهويتين في إطار واحد تمثل تراجعاً عن المكتسبات الدستورية التي ميزت الولايات المتحدة منذ نشأتها كجمهورية علمانية تحترم كافة المعتقدات.

وعلى الصعيد الديني، أثار غياب التنوع في قائمة المتحدثين تساؤلات حول شمولية هذه الاحتفالات، حيث خلت القائمة تماماً من أي تمثيل للمسلمين الأمريكيين. ويأتي هذا الاستبعاد في وقت تشهد فيه البلاد تصاعداً في مظاهر العداء للمسلمين، مما يعزز المخاوف من تحول الخطاب الرسمي نحو الإقصاء.

ولم تقتصر الانتقادات على الأكاديميين، بل شملت قيادات كاثوليكية حذرت من أن استخدام مصطلح ‘أمة مسيحية’ قد يؤدي إلى تهميش الأقليات الدينية الأخرى. وذكرت هذه القيادات بأن الكاثوليك أنفسهم عانوا في فترات سابقة من الاستبعاد، وأن العودة لهذا الخطاب تهدد السلم المجتمعي والتنوع الذي تفخر به البلاد.

وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى وجود فجوة بين توجهات الإدارة الحالية ورغبات غالبية الشعب الأمريكي، الذي لا يزال يرفض تحويل المسيحية إلى دين رسمي. ورغم تسجيل ارتفاع طفيف في نسبة المؤيدين لهذا التوجه، إلا أن القاعدة الشعبية العريضة لا تزال تتمسك بمبدأ حياد الدولة تجاه الأديان.

وتستخدم التيارات المسيحية المحافظة أدوات تعليمية ورموزاً دينية معاد صياغتها لترسيخ هذه الرواية في أذهان الأجيال الجديدة، مستغلة تراجع نسبة المسيحيين في المجتمع كدافع للتحرك. ويرى مراقبون أن هذا النشاط السياسي المكثف يهدف إلى استعادة نفوذ الكنيسة عبر بوابة السلطة التنفيذية والتشريعية.

وخلال فترة ولايته الثانية، عمل ترامب على تعزيز الطقوس الدينية داخل البيت الأبيض، حيث أصبحت الصلوات جزءاً روتينياً من المشهد الرسمي للدولة. ويربط العديد من المسؤولين في إدارته بين مهامهم الدبلوماسية والعسكرية وبين ما يصفونه بـ ‘الرسالة الدينية’، في تحول جذري عن التقاليد السياسية الأمريكية.

وتختتم المصادر بالإشارة إلى أن فعالية ‘ناشيونال مول’ ستكون الاختبار الأبرز لمدى قدرة هذا التيار على فرض أجندته على المشهد العام. ومع اقتراب موعد الذكرى الـ250، يبقى الصراع على هوية أمريكا بين ‘الدولة المدنية’ و’الأمة المسيحية’ مفتوحاً على كافة الاحتمالات السياسية والقانونية.