حقق المشرعون الديمقراطيون في مجلس الشيوخ الأمريكي اختراقاً سياسياً مهماً، بعد مصادقة المجلس على قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس دونالد ترامب في شن حروب أو عمليات عسكرية ضد إيران. وجاء هذا الإنجاز بعد سبع محاولات سابقة لم يكتب لها النجاح، مما يعكس تحولاً في موازين القوى داخل أروقة الكونغرس تجاه السياسات الخارجية للإدارة الحالية.
وأظهرت نتائج التصويت تقارباً حاداً، حيث وافق أعضاء المجلس على إحالة القرار بأغلبية 50 صوتاً مقابل معارضة 47 عضواً. وقد لعب انشقاق أربعة من السيناتورات الجمهوريين دوراً حاسماً في ترجيح كفة القرار، حيث انضم كل من سوزان كولينز، وليزا موركوفسكي، وراند بول، وبيل كاسيدي إلى المعسكر الديمقراطي في خطوة نادرة تعكس قلقاً داخلياً من التصعيد العسكري.
وفي المقابل، شهد المعسكر الديمقراطي خروجاً وحيداً عن الإجماع الحزبي، حيث كان السيناتور جون فيترمان من ولاية بنسلفانيا هو العضو الديمقراطي الوحيد الذي صوت ضد القرار. ويعد هذا التصويت لافتاً بشكل خاص بالنسبة للسيناتور الجمهوري بيل كاسيدي، الذي يدعم لأول مرة تشريعاً يحد من صلاحيات الحرب، وذلك بعد أيام من خسارته في الانتخابات التمهيدية في ولايته.
وساهم غياب وامتناع ثلاثة أعضاء جمهوريين عن التصويت، وهم جون كورنين وتومي توبرفيل وتوم تيليس، في تسهيل مهمة الديمقراطيين لتمرير التشريع. وتعتبر هذه المرة الأولى التي تنجح فيها المعارضة في حشد الدعم الكافي لتمرير قرارات تتعلق بصلاحيات الحرب المرتبطة بالملف الإيراني منذ بدء تقديم هذه المقترحات.
وينص مشروع القرار، الذي قاده السيناتور الديمقراطي تيم كين، على ضرورة توجيه الرئيس لسحب القوات المسلحة الأمريكية من أي أعمال عدائية داخل الأراضي الإيرانية أو ضدها. ويشترط التشريع ألا يتم الانخراط في مثل هذه الأعمال إلا في حال وجود إعلان حرب رسمي أو تفويض محدد لاستخدام القوة العسكرية صادر عن الكونغرس.
ورغم هذا الانتصار التشريعي، يدرك المراقبون أن هذه الخطوة لا تزال في مراحلها الأولى داخل أروقة التشريع الأمريكي. فمن المتوقع على نطاق واسع أن يلجأ الرئيس ترامب إلى استخدام حق النقض (الفيتو) لإجهاض القرار في حال وصوله إلى مكتبه، مما قد يعيد الصراع إلى نقطة الصفر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
لا ينبغي لأي رئيس أن يجرّ هذا البلد إلى الحرب بمفرده؛ حان الوقت لكسر هذه الحلقة المفرغة ودعم قرار صلاحيات الحرب.
ومع ذلك، يرى الديمقراطيون أن مجرد تمرير القرار يحمل دلالات سياسية عميقة وقدرة على التأثير في حسابات البيت الأبيض المستقبلية. وأكد السيناتور كين في تصريحات صحفية أن الهدف هو إرسال رسالة واضحة بأن الشعب الأمريكي وممثليه يعارضون الانزلاق نحو مواجهة عسكرية شاملة وغير مدروسة في الشرق الأوسط.
وأشار كين إلى أن التوقيت الحالي يعد مثالياً لفتح نقاش وطني حول مبررات الحرب وظروفها، خاصة مع تزايد التهديدات المتبادلة. واعتبر أن الكونغرس كان يجب أن يمارس دوره الرقابي منذ فبراير الماضي، لضمان وجود خطة واضحة وشفافة أمام المواطنين الأمريكيين الذين يتحملون تبعات هذه النزاعات.
وتطرق المشرعون أيضاً إلى الأبعاد الاقتصادية لأي مواجهة عسكرية محتملة مع طهران، مشيرين إلى الارتفاع الملحوظ في أسعار الوقود وتأثيره المباشر على معيشة الأمريكيين. وأوضح كين أن المواطنين يشعرون بعبء التكاليف الاقتصادية للتوترات الدولية، خاصة مع اقتراب مواسم العطلات وزيادة الطلب على الطاقة.
من جانبه، وجه زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، نداءً حاداً لزملائه الجمهوريين بضرورة تحكيم ضمائرهم والتحلي بالصدق تجاه مخاطر التفرد بقرار الحرب. وشدد شومر على أن حماية الديمقراطية تتطلب كسر حلقة التبعية للقرارات الرئاسية المنفردة التي قد تجر البلاد إلى صراعات طويلة الأمد.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث أعلن البيت الأبيض عن تأجيل ضربات كانت مقررة ضد أهداف إيرانية، رغم تأكيد الرئيس أنه لا يزال مستعداً للتحرك عسكرياً في أي لحظة. هذا التذبذب في المواقف زاد من إصرار المشرعين على وضع إطار قانوني يحكم تحركات القوات المسلحة ويمنع التصعيد غير المحسوب.
وفي نهاية المطاف، يبقى الصراع على صلاحيات الحرب عنواناً بارزاً للأزمة السياسية في واشنطن، حيث يسعى الكونغرس لاستعادة دوره الدستوري في إعلان الحروب. وبينما ينتظر القرار جولات أخرى من النقاش، يظل الموقف الشعبي الرافض للحروب الجديدة هو المحرك الأساسي خلف تحركات المشرعين في هذه المرحلة الحرجة.













