تحولات القرن الإفريقي: أنباء عن طلب جوبا إغلاق قاعدة مصرية وتمدد إسرائيلي في ‘أرض الصومال’

20 مايو 2026آخر تحديث :
تحولات القرن الإفريقي: أنباء عن طلب جوبا إغلاق قاعدة مصرية وتمدد إسرائيلي في ‘أرض الصومال’

تداولت أوساط صحفية في جنوب السودان أنباءً حول طلب رسمي تقدمت به جوبا لإغلاق قاعدة عسكرية مصرية تقع في منطقة ‘جوت’ الاستراتيجية. ورغم حساسية هذا الملف وتأثيره المباشر على توازنات القوى في حوض النيل، إلا أن الصمت الرسمي ما زال يخيم على الموقف في كل من القاهرة وجوبا دون تأكيد أو نفي.

تكتسب القاعدة العسكرية المستهدفة أهمية جغرافية بالغة، حيث تقع في ولاية أعالي النيل بالقرب من المثلث الحدودي الذي يجمع السودان وإثيوبيا وجنوب السودان. كما أنها لا تبعد كثيراً عن إقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، وهو الموقع الذي يحتضن سد النهضة، بؤرة التوتر الرئيسية بين أديس أبابا ودولتي المصب.

يرى مراقبون أن تنفيذ هذا القرار، في حال صحته، سيمثل ضربة لنقاط الارتكاز الاستراتيجية المصرية في منطقة حوض النيل. ومن شأن هذه الخطوة أن تنهي الوجود العسكري المصري المباشر بالقرب من الحدود الإثيوبية، مما يضعف أوراق الضغط المصرية في ملف مياه النيل الشائك.

تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد ميداني شهدته المنطقة مؤخراً، حيث اتهمت الخرطوم أديس أبابا بشن هجمات عبر طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي الإثيوبية. ويبدو أن جنوب السودان يسعى للنأي بنفسه عن هذه التوترات الإقليمية المتصاعدة، خاصة مع استمرار الحرب الداخلية في السودان وتداعياتها العابرة للحدود.

بالتوازي مع هذا المشهد، برز تطور دبلوماسي لافت في القدس، حيث استقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أول سفير لمنطقة ‘أرض الصومال’ الانفصالية. وتعد إسرائيل الدولة الأولى والوحيدة التي اعترفت رسمياً باستقلال هذا الإقليم عن الصومال، مما يفتح باباً جديداً للتدخلات الدولية في القرن الإفريقي.

وصف الرئيس الإسرائيلي هذه العلاقة الناشئة بأنها ‘فرصة فريدة’ لبناء حوار مع دول المنطقة، مؤكداً استعداد تل أبيب لتقديم الدعم في مجالات الأمن والطاقة والعلوم. ومن جانبه، اعتبر السفير محمد حاجي أن العلاقة مع إسرائيل استراتيجية، مذكراً بأن تل أبيب كانت أول من اعترف باستقلالهم التاريخي في عام 1960.

تثير هذه التحركات مخاوف جدية في القاهرة، حيث يرى خبراء أمنيون أن التمدد الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر يهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر. فالحصول على موطئ قدم في هذه المنطقة الحيوية قد يؤثر مستقبلاً على حركة الملاحة في قناة السويس ويغير موازين القوى البحرية.

إن الوجود العسكري في منطقة القرن الإفريقي يهدف لتأمين الملاحة في مضيق باب المندب، وهو أولوية قصوى لضمان تدفق التجارة العالمية.
كشفت تقارير صحفية دولية، استناداً إلى صور الأقمار الاصطناعية، عن عمليات إنشائية مكثفة في ضواحي مدينة بربرة الساحلية بإقليم أرض الصومال. وتهدف هذه الأعمال إلى تحويل مطار المدينة إلى قاعدة عسكرية متطورة تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية بالتعاون مع شركاء إقليميين.

أظهرت البيانات التقنية حفر خنادق عميقة مخصصة لتخزين العتاد العسكري وصهاريج الوقود تحت الأرض، بالإضافة إلى منصات لأنظمة دفاع جوي ورادارات متطورة. وتشير المصادر إلى أن هذه التجهيزات تشمل أنظمة رادار من طرازات تنتجها الصناعات العسكرية الإسرائيلية لتأمين الممرات الملاحية.

يربط محللون بين هذه التحركات الميدانية وبين رغبة إثيوبيا في قيادة المنطقة نيابة عن قوى دولية، مستفيدة من تفاهمات دفاعية تمنحها نفوذاً أوسع. وفي المقابل، تسعى سلطات ‘هرجيسا’ لانتزاع اعتراف دبلوماسي من واشنطن مقابل هذه التسهيلات اللوجستية والعسكرية الكبيرة.

كانت مصر قد أعلنت صراحة معارضتها للاتفاق المبدئي الذي وقعته إثيوبيا مع إقليم أرض الصومال في يناير الماضي، والذي يمنح أديس أبابا منفذاً بحرياً وقاعدة عسكرية. واعتبرت الخارجية المصرية هذا الاتفاق اعتداءً صارخاً على السيادة الصومالية ومخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولي.

رداً على التحركات الإثيوبية، سارعت القاهرة لتعزيز تحالفها مع الحكومة المركزية في مقديشو عبر توقيع بروتوكول تعاون عسكري شامل في أغسطس 2024. وتضمن الاتفاق إرسال معدات عسكرية مصرية والمشاركة في بعثة حفظ السلام الإفريقية المقررة مطلع العام القادم.

أثار الإعلان المصري عن المشاركة في قوات حفظ السلام غضباً في أديس أبابا، حيث طالب وزير الخارجية الإثيوبي بضمانات ألا تشكل هذه البعثة تهديداً لأمن بلاده القومي. وتعكس هذه التصريحات حجم الفجوة وانعدام الثقة المتزايد بين القوى الإقليمية المتصارعة على النفوذ في هذه المنطقة الحساسة.

يبقى المشهد في القرن الإفريقي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل تداخل ملفات مياه النيل مع الصراعات الحدودية والتحالفات الدولية الجديدة. وتراقب العواصم الكبرى بحذر مدى قدرة هذه التحركات على تغيير الخارطة الجيوسياسية الدائمة للمنطقة وتأثيرها على استقرار الملاحة الدولية.