مخطط تهجير الخان الأحمر: مساعٍ إسرائيلية لفرض واقع استيطاني جديد شرقي القدس

21 مايو 2026آخر تحديث :
مخطط تهجير الخان الأحمر: مساعٍ إسرائيلية لفرض واقع استيطاني جديد شرقي القدس

تتصاعد في الآونة الأخيرة مخاوف السكان الفلسطينيين في تجمع الخان الأحمر البدوي، الواقع شرقي مدينة القدس المحتلة، من تنفيذ قرار الإخلاء الفوري الذي أصدره وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش. وتأتي هذه الخطوة في سياق تحذيرات فلسطينية واسعة من أن الهدف الحقيقي يكمن في تمهيد الطريق لتنفيذ المشروع الاستيطاني الضخم المعروف باسم ‘إي ون’، والذي يهدف لربط مستوطنة ‘معاليه أدوميم’ بمدينة القدس.

وأفادت مصادر ميدانية بأن التجمع يقع في منطقة استراتيجية بمحاذاة الطريق الواصل بين الأغوار الفلسطينية والقدس، حيث يقطنه نحو 200 مواطن فلسطيني يقيمون في المنطقة منذ عقود طويلة. ويواجه هؤلاء السكان قيوداً مشددة تفرضها سلطات الاحتلال، مما يضطرهم لسلوك طرق ترابية وعرة وخطيرة للوصول إلى مساكنهم وتأمين احتياجاتهم اليومية الأساسية.

وفي ظل هذه التهديدات، بدأ ناشطون ومتضامنون من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالتوافد نحو التجمع لتعزيز صمود الأهالي ومنع أي محاولة لتنفيذ قرار الإخلاء بالقوة. ويرى مراقبون أن هذا التواجد الشعبي يمثل خط الدفاع الأول ضد المخططات التي تستهدف تصفية الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة ‘ج’ بالضفة الغربية المحتلة.

من جانبه، صرح عبد الله أبو رحمة، مدير عام دائرة العمل الشعبي في الهيئة، بأن قرار إخلاء الخان الأحمر يأتي في توقيت حساس تشغل فيه التوترات الإقليمية والحروب اهتمام المجتمع الدولي. وأكد أن سلطات الاحتلال تستغل هذا الانشغال لتمرير مشاريع استيطانية كانت مجمدة سابقاً بسبب الضغوط الدولية، محذراً من خطورة المرحلة الراهنة.

وأوضح أبو رحمة أن الاعتداءات الممنهجة وعمليات الهدم والتهجير شهدت تصاعداً غير مسبوق منذ أحداث السابع من أكتوبر الماضي، حيث تم تهجير أكثر من 80 تجمعاً فلسطينياً في مناطق متفرقة. كما أشار إلى توسع البؤر الاستيطانية التي وصل عددها إلى نحو 380 بؤرة، في محاولة لفرض سيادة إسرائيلية كاملة على الأراضي الفلسطينية.

ويقود الوزير سموتريتش توجهاً حكومياً متطرفاً يهدف لشرعنة المستوطنات وتوسيعها، حيث تفاخر مؤخراً بإقرار 103 مستوطنات جديدة في الضفة الغربية. وتعتبر هيئة مقاومة الجدار أن هذه السياسة تهدف إلى تقويض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية من خلال تمزيق الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى معازل منفصلة.

وشدد أبو رحمة على أن محاولات تهجير الخان الأحمر ليست جديدة، حيث أفشلها الصمود الشعبي والضغط الدولي في عام 2018، مما جعل التجمع رمزاً وطنياً للمقاومة الشعبية. وحذر من أن سقوط الخان الأحمر سيعني بالضرورة سقوط عشرات التجمعات البدوية الأخرى المحيطة بمدينة القدس، والتي تواجه المصير ذاته.

التهجير هو الموت.. لو هدموا كل البيوت سنبقى هنا ونقعد تحت الشمس.
ويهدف مخطط ‘إي ون’ الاستيطاني إلى خلق تواصل جغرافي بين المستوطنات الكبرى المحيطة بالقدس، مما سيؤدي عملياً إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بشكل كامل. وهذا السيناريو سيجعل من إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً مستحيلاً من الناحية الفنية والسياسية، وهو ما تسعى إليه التيارات اليمينية في الحكومة الإسرائيلية.

وعلى الصعيد الإنساني، يروي الحاج أبو إسماعيل، أحد سكان التجمع أن عائلته استقرت في الخان الأحمر منذ خمسينيات القرن الماضي بعد تهجيرها القسري الأول من أراضيها الأصلية. وأكد أن خمسة أجيال من عائلته ولدت ونشأت في هذه الأرض، مما يجعل ارتباطهم بها مسألة وجودية لا تقبل المساومة أو المقايضة.

ويؤكد الأهالي رفضهم القاطع لكل الإغراءات أو الضغوط التي تمارسها سلطات الاحتلال لنقلهم إلى مناطق أخرى مثل العيزرية أو النويعمة. ويصف السكان محاولات التهجير بأنها ‘موت بطيء’، مؤكدين إصرارهم على البقاء حتى لو هدمت الخيام والبيوت فوق رؤوسهم، مفضلين العيش تحت الشمس على الرحيل مرة أخرى.

وتتواصل الانتهاكات اليومية التي يمارسها المستوطنون بحق السكان تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، حيث تشمل هذه الاعتداءات ترهيب الأطفال وتخريب الممتلكات. وأفاد السكان بأن هذه المضايقات تستمر ليل نهار بهدف دفعهم لليأس وترك المنطقة طواعية، إلا أن ذلك لم يزد الأهالي إلا تمسكاً بمواقعهم.

وتحيط بالخان الأحمر حالياً نحو خمس بؤر استيطانية جديدة تم إنشاؤها في السنوات الأخيرة لإحكام الطوق على التجمع البدوي وعزله عن محيطه الفلسطيني. وتعمل هذه البؤر كأدوات ضغط ميدانية لمصادرة المراعي ومنع السكان من تربية مواشيهم، التي تعد مصدر رزقهم الوحيد والأساسي منذ عقود.

ورغم هذه الظروف القاسية، لا تزال مدرسة الخان الأحمر الأساسية صامدة وتستقبل عشرات الطلبة من التجمعات المجاورة، رغم صدور عدة أوامر هدم بحقها. وتمثل هذه المدرسة تحدياً تربوياً وسياسياً للاحتلال، حيث تصر الهيئات التدريسية والأهالي على استمرار العملية التعليمية كجزء من معركة البقاء.

وتستغل إسرائيل تصنيفات اتفاقية أوسلو للمناطق ‘ج’ لتبرير عمليات الهدم والتهجير تحت ذرائع أمنية واهية، بينما يؤكد الواقع الميداني أنها سياسة توسع استيطاني. ويبقى الخان الأحمر اليوم في عين العاصفة، كونه يمثل العقبة الأخيرة أمام إتمام مشروع القدس الكبرى وتصفية الوجود الفلسطيني شرقي المدينة المقدسة.