المقابر الجماعية في العراق: تسييس الجرائم يهدد كشف الحقائق في الصقلاوية

22 مايو 2026آخر تحديث :
المقابر الجماعية في العراق: تسييس الجرائم يهدد كشف الحقائق في الصقلاوية

عادت قضية المقابر الجماعية في العراق إلى واجهة الجدل السياسي والحقوقي، بعد إعلان مؤسسة الشهداء في الثامن عشر من أيار 2026 عن اكتشاف سبع مقابر في منطقة سهل عكاز بناحية الصقلاوية التابعة لمحافظة الأنبار. وقد أثار هذا الاكتشاف، الذي تضمن العثور على 16 رفات، تساؤلات عميقة حول المنهجية المتبعة في تحديد هوية الضحايا وتاريخ مقتلهم.

وشهد الموقف الرسمي تخبطاً لافتاً، حيث سارعت المؤسسة في بيانها الأول إلى نسب الرفات لضحايا حقبة الثمانينيات، مهاجمةً ما وصفتها بمحاولات تزييف الحقائق التي تربط المقابر بمرحلة ما بعد عام 2014. هذا الاستباق للنتائج المخبرية وفحوصات الحمض النووي (DNA) أثار انتقادات واسعة حول مهنية المؤسسات المعنية بملف المفقودين.

ولم يمضِ يوم واحد حتى أصدرت الهيئة بياناً ثانياً نقضت فيه خطابها السابق، مؤكدة أن أعمال الكشف ورفع العينات تتم وفق إجراءات علمية وقانونية وبإشراف فرق مختصة. وأوضحت مصادر رسمية في البيان الجديد أن نتائج الفحوصات الفنية هي الفيصل الوحيد في تحديد هوية الرفات، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

ويرى مراقبون أن هذا التناقض يعكس صراعاً بين الرواية السياسية والحقائق الجنائية، خاصة في منطقة شهدت عمليات إخفاء قسري واسعة النطاق. وتعد الصقلاوية من أكثر المناطق حساسية، نظراً للتقارير الدولية التي وثقت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفارين من العمليات العسكرية قبل سنوات.

وبالعودة إلى تقارير بعثة الأمم المتحدة (يونامي) لعام 2016، نجد توثيقاً لاحتجاز آلاف المدنيين الفارين من الصقلاوية على يد فصائل مسلحة مساندة للقوات الأمنية. وأشارت التقارير حينها إلى فصل مئات الرجال والصبيان عن عائلاتهم، حيث انقطعت أخبار المئات منهم منذ ذلك الحين دون كشف مصيرهم.

نتائج الفحوصات المختبرية والأدلة الفنية وحدها القادرة على حسم طبيعة الموقع، بعيداً عن محاولات التضليل الإعلامي أو إطلاق الأحكام المسبقة.
من جانبها، تواصل منظمات دولية مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش الضغط على السلطات العراقية للإفصاح عن نتائج التحقيقات الرسمية. وتؤكد هذه المنظمات أن عدم إعلان نتائج لجنة التحقيق التي شكلت في عام 2016 يفاقم معاناة ذوي المفقودين ويكرس سياسة الإفلات من العقاب.

وتشير المعطيات الحقوقية إلى أن جريمة الإخفاء القسري، وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ترقى لتكون جريمة ضد الإنسانية. ومع ذلك، لا تزال الطبقة السياسية في العراق تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، وسط اتهامات بتسييس القضاء واللجان التحقيقية بناءً على هوية الجناة.

وفي سياق متصل، يبرز مصطلح ‘المغيبين’ كبديل سياسي للمصطلح القانوني ‘المختفين قسرياً’، وهو ما يراه قانونيون محاولة لتمييع التوصيف الجنائي للجرائم. هذا العجز السياسي عن تسمية الأمور بمسمياتها القانونية ساهم في إطالة أمد غياب العدالة لآلاف العائلات في المحافظات المستعادة.

إن التشكيك في نزاهة التحقيقات الرسمية ينبع من تجارب سابقة انتهت فيها اللجان إلى طريق مسدود أو إخفاء النتائج لحساسيتها السياسية. ويؤكد حقوقيون أن كشف الحقيقة في مقابر الصقلاوية يتطلب إشرافاً دولياً أو رقابة مستقلة لضمان عدم طمس الأدلة الجنائية التي قد تدين أطرافاً نافذة.

يبقى ملف المقابر الجماعية في العراق جرحاً نازفاً يختبر مصداقية الدولة في تطبيق القانون وتحقيق العدالة الانتقالية. فبدون فحوصات شفافة ومحاسبة حقيقية للمتورطين، ستظل هذه المقابر مادة للسجال السياسي بدلاً من أن تكون خطوة نحو إنصاف الضحايا وإغلاق ملفات المفقودين.