أفادت مصادر حقوقية بأن السلطات المصرية استأنفت فجر الأحد تنفيذ أحكام الإعدام بحق محكومين في قضايا ذات طابع سياسي، وذلك بعد فترة توقف استمرت لنحو أربع سنوات. وجرى تنفيذ الأحكام داخل سجن برج العرب بمحافظة الإسكندرية، وشملت أربعة معتقلين أدينوا في القضية المعروفة إعلامياً باسم ‘أنصار بيت المقدس’.
وذكرت المصادر أن المنفذ بحقهم الحكم هم أحمد عزت محمد، وعويض سلامة عايد، وياسر محمود محمد المزيني، وأنس إبراهيم صبحي فرحات. وقد تواصلت الجهات الأمنية مع عائلات المتوفين لاستلام جثامينهم، وسط حالة من الصدمة في الأوساط الحقوقية التي كانت تأمل في تجميد هذه الأحكام نهائياً.
يأتي هذا التطور في توقيت حساس تشهد فيه الساحة المصرية دعوات متكررة لعقد مصالحة وطنية شاملة وإغلاق ملف المعتقلين السياسيين. ويرى مراقبون أن العودة لمنصة الإعدام تمثل رسالة تصعيدية من النظام الحالي، وتضعف من فرص نجاح المبادرات المطالبة بإنهاء الأزمة السياسية الممتدة منذ أكثر من عقد.
وانتقد حقوقيون بشدة غياب الشفافية في تنفيذ هذه الأحكام، حيث يتم التكتم على المواعيد الرسمية للتنفيذ دون إخطار مسبق للأهالي أو المحامين. وأشار ناشطون إلى أن القانون المصري ينص على حق المحكوم عليه في زيارة استثنائية قبل تنفيذ الحكم، وهو ما لا يتم الالتزام به في القضايا السياسية.
من جانبه، أعرب مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن مخاوفه الجدية بشأن نزاهة المحاكمات التي أفضت إلى هذه الأحكام، مشيراً إلى تقارير توثق انتهاكات في إجراءات التحقيق. وطالب المركز بوقف فوري لكافة الإعدامات المتبقية وفتح تحقيقات مستقلة تضمن معايير العدالة الدولية المتعارف عليها.
وتعود تفاصيل القضية إلى عام 2014، حيث وجهت النيابة للمتهمين تهماً بارتكاب عمليات استهدفت عناصر أمنية، وهو ما نفاه المدانون مراراً أمام المحكمة. وكانت محكمة النقض قد أيدت في نوفمبر 2021 أحكاماً نهائية بإعدام 21 شخصاً في هذه القضية، من بينهم ضباط سابقون في الجيش والشرطة.
وتشير تقارير دولية صادرة عن منظمات مثل ‘هيومن رايتس ووتش’ إلى أن السلطات المصرية توسعت في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لملاحقة المعارضين السياسيين. وتعتبر هذه المنظمات أن المحاكمات الجماعية تفتقر لأدنى ضمانات الدفاع، وغالباً ما تستند إلى تحريات أمنية مرسلة دون أدلة مادية قاطعة.
هناك بون شاسع بين تطبيق العدالة بالقانون في النور وبين تطبيق الظلم بالقانون في الظلام.
وربط محللون بين توقيت تنفيذ هذه الأحكام وبين الحراك السياسي الذي تقوده قوى المعارضة في الخارج، والتي دشنت مؤخراً ‘المؤتمر الوطني الأول’. ويهدف هذا الحراك إلى تقديم بدائل سياسية واقتصادية للنظام الحالي، مما قد يكون دفع السلطات لاستخدام ‘الحل الأمني’ كأداة للردع والضغط السياسي.
وتواجه مصر انتقادات دولية واسعة بسبب تصدرها قوائم الدول الأكثر تنفيذاً لعقوبة الإعدام عالمياً خلال السنوات الأخيرة. ففي عام 2021، احتلت البلاد المركز الثالث عالمياً، مع تسجيل أرقام مرتفعة في تنفيذ العقوبة بحق النساء، مما يضع ملفها الحقوقي تحت مجهر المؤسسات الدولية باستمرار.
ولا يزال خطر الإعدام يهدد مئات المعتقلين الآخرين الذين صدرت بحقهم أحكام نهائية وباتة من محكمة النقض، بانتظار قرار التنفيذ. ومن أبرز هؤلاء قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، صدرت بحقهم أحكام في قضية ‘اعتصام رابعة’، وهو ما يثير قلقاً دولياً من احتمالية وقوع موجة إعدامات جماعية جديدة.
ويرى سياسيون أن النظام المصري يستخدم ملف المحكومين بالإعدام كـ ‘ورقة ضغط’ في علاقاته الخارجية، سواء مع القوى الإقليمية أو الاتحاد الأوروبي. فمن خلال التلويح بهذا الملف، يسعى النظام للحصول على دعم مالي وسياسي مقابل إظهار قدر من ‘المرونة’ في ملفات حقوق الإنسان عند الضرورة.
وفي سياق متصل، رصدت مؤسسات حقوقية صدور أكثر من 2500 حكم إعدام منذ يوليو 2013 وحتى منتصف عام 2021، وصفتها بأنها صدرت عن ‘محاكم غير طبيعية’. وتؤكد هذه المؤسسات أن استمرار هذا النهج يعمق الانقسام المجتمعي ويزيد من تعقيد أي مسار مستقبلي للعدالة الانتقالية في البلاد.
وعلى الصعيد الميداني، تواصل المنظمات الحقوقية إطلاق حملات تحت وسم ‘#أوقفواتنفيذالإعدامات’ لتسليط الضوء على معاناة أهالي المحكومين. وتطالب هذه الحملات المجتمع الدولي بالتدخل للضغط على القاهرة من أجل استبدال عقوبة الإعدام بعقوبات أخرى تضمن الحق في الحياة وتفتح الباب للمراجعات القانونية.
ختاماً، تبقى عودة تنفيذ الإعدامات مؤشراً على استمرار النهج الأمني في التعامل مع المعارضة، رغم الأزمات الاقتصادية والمالية الطاحنة التي تمر بها مصر. ويظل ملف المعتقلين السياسيين العقبة الأكبر أمام أي محاولة حقيقية للإصلاح السياسي أو الاستقرار المجتمعي المنشود في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.












