سلط تقرير حديث لمجلة “إيكونوميست” البريطانية الضوء على التدهور الحاد في أوضاع السجون الإسرائيلية منذ تولي وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، مهامه. وأشار التقرير إلى أن الوزير المتطرف يتباهى علناً بنظام القمع والتجويع الذي يفرضه على المعتقلين، مستخدماً معاناة الأسرى كمنصة للدعاية الانتخابية لحزبه “القوة اليهودية”.
واستشهدت المجلة بمقطع فيديو نشره بن غفير بنفسه، يظهر فيه وهو يسخر من نشطاء أسطول الصمود الذين اعتقلوا في المياه الدولية. وظهر النشطاء في الفيديو مقيدين ومجبرين على الركوع في ميناء أشدود، بينما كان الوزير يوجه لهم عبارات استعلائية قائلاً: “نحن أسياد الأرض”، وسط تشجيع للضباط على مواصلة التنكيل بالمعتقلين.
ورغم أن هذه المشاهد أثارت موجة من التنديد الدولي من قبل حكومات غربية، إلا أن رد فعل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لم يتجاوز التوبيخ اللفظي. واعتبر نتنياهو أن تصرفات وزيره لا تتوافق مع ما وصفها بـ “قيم إسرائيل”، لكنه امتنع عن اتخاذ أي إجراء عقابي أو التهديد بإقالته من منصبه.
وأكد التقرير أن بن غفير يدرك تماماً حاجة نتنياهو السياسية له، مما يمنحه ضوءاً أخضر للتغاضي عن أفعاله المتطرفة. فمنذ عودة نتنياهو للسلطة في عام 2022، أصبح بن غفير ركيزة أساسية في الائتلاف الحكومي، حيث نال حقيبة الأمن القومي كمكافأة على دعمه السياسي.
ومنذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023، شرع بن غفير في تنفيذ إجراءات انتقامية واسعة شملت تجريد الأسرى من أبسط مقتنياتهم وتقليص وجبات الطعام. ووصفت المحكمة العليا الإسرائيلية هذه الحصص الغذائية بأنها غير كافية للحد الأدنى من متطلبات الحياة البشرية، مما أدى إلى ظهور علامات الهزال الشديد على المفرج عنهم.
ونقلت المجلة عن منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بيانات صادمة تشير إلى وفاة ما لا يقل عن 98 سجيناً فلسطينياً خلال أول عامين من الحرب. وتعزو المنظمة هذه الوفيات إلى الضرب المبرح، والحرمان المنهجي من العلاج الطبي، ومنع زيارات الصليب الأحمر والمحامين.
وفي خطوة لتعزيز سيطرته، منع بن غفير عمليات التفتيش القانونية على السجون التي يفرضها القانون الإسرائيلي، واستبدلها بجولات لصحفيين موالين له. ويهدف من هذه الجولات تصوير الأسرى وهم في أوضاع مهينة، مكبلين لساعات طويلة تحت تأثير موسيقى صاخبة تهدف لتحطيم معنوياتهم.
أهلاً بكم في إسرائيل، نحن أسياد الأرض.
وعلى الصعيد القضائي، كشف التقرير عن غياب شبه كامل للمساءلة القانونية بشأن الوفيات داخل السجون، حيث لم تفتح السلطات سوى تحقيقات محدودة جداً. وأسفرت هذه التحقيقات عن توجيه اتهام واحد فقط، مما يعزز سياسة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها عناصر مصلحة السجون والجيش.
وتطرق التقرير إلى حادثة معسكر “سديه تيمان”، حيث وجهت اتهامات لخمسة جنود بالاعتداء الجنسي على معتقل فلسطيني في يوليو 2024. ومع ذلك، انتهت القضية بإقالة المدعية العامة العسكرية التي حركت الملف، وإسقاط التهم لاحقاً عن الجنود المتورطين.
وبدلاً من التحقيق في هذه الجرائم، اختار نتنياهو مهاجمة الجهات التي كشفتها، واصفاً تسريبات الفيديو بأنها “فرية دم” ضد الجيش. كما هدد بمقاضاة صحيفة “نيويورك تايمز” بعد نشرها تقارير مفصلة عن اعتداءات جنسية، رغم أن الصحيفة تمسكت بصحة معلوماتها الموثقة.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن بن غفير سيستمر في منصبه دون أي عوائق حقيقية، نظراً لارتهان مستقبل نتنياهو السياسي بدعم اليمين المتطرف. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما رفض نتنياهو عرضاً من المعارضة للانضمام لحكومة طوارئ مقابل إقالة بن غفير، مفضلاً الحفاظ على ائتلافه الحالي.
وحتى عندما استقال بن غفير مؤقتاً في يناير 2025 احتجاجاً على هدنة قصيرة، أبقى نتنياهو حقيبة الأمن القومي شاغرة بانتظار عودته. ويعكس هذا السلوك مدى تغلغل نفوذ بن غفير داخل الحكومة الإسرائيلية وقدرته على فرض أجندته المتطرفة دون رادع.
ويرى مراقبون أن حاجة نتنياهو للفوز في الانتخابات المقبلة تتجاوز أي اعتبارات تتعلق بالأعراف الدولية أو حقوق الإنسان. فالبقاء في السلطة يتطلب إرضاء القاعدة الانتخابية لليمين المتطرف التي ترى في ممارسات بن غفير “حزماً” مطلوباً تجاه الفلسطينيين.
وخلصت “إيكونوميست” في تقريرها إلى أن المسؤولية عن الانتهاكات الجسيمة في السجون تقع على عاتق بن غفير ونتنياهو معاً. فبينما يمارس الأول القمع بشكل مباشر، يوفر الثاني الغطاء السياسي والقانوني اللازم لاستمرار هذه الجرائم بعيداً عن المحاسبة الدولية.













