شهدت مدينة سبتة المحتلة حالة من الهدوء الحذر يوم الأحد، حيث كثفت قوات الأمن الإسبانية دورياتها في الشوارع لضبط الأوضاع بعد موجة تدفق غير مسبوقة للمهاجرين. وأفادت مصادر ميدانية بأن المجموعات الكبيرة التي عبرت السياج الحدودي بدأت بالتلاشي، حيث عاد معظمهم إلى الأراضي المغربية خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، ولم يتبق سوى أعداد محدودة تتجول في أزقة المدينة.
وفي سياق متصل، أصدرت وزارة الداخلية المغربية بياناً رسمياً كشفت فيه عن الحصيلة الأولية للضحايا الذين قضوا خلال محاولات العبور، حيث سجلت الوزارة 11 حالة وفاة. وأوضحت المصادر المغربية أن حالة واحدة نتجت عن سقوط عرضي من منطقة صخرية وعرة، بينما قضى 10 آخرون غرقاً في مياه البحر أثناء محاولتهم الالتفاف حول الحواجز المائية.
على الجانب الآخر، قدمت السلطات الإسبانية أرقاماً مغايرة تماماً تعكس حجم المأساة الإنسانية، حيث أعلن المندوب الحكومي في سبتة، ميغيل أنخيل بيريز تريانو أن عدد الوفيات المؤكدة وصل إلى 72 شخصاً. وأكد تريانو أن هذه الأرقام تمثل الحصيلة الأحدث لعملية العبور الجماعي الأكبر التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث، مشيراً إلى استمرار عمليات التحقق من التقارير الحدودية.
وأرجعت وزارة الداخلية المغربية أسباب هذا الانفجار البشري المفاجئ إلى عوامل منظمة، نافية أن تكون التحركات عفوية أو مرتبطة بظروف آنية فقط. وأكدت الوزارة أن التحليلات الأمنية أثبتت وجود استغلال ممنهج للفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي لبث معلومات مغلوطة دفعت الآلاف للمخاطرة بحياتهم.
كما شدد البيان المغربي على الدور المحوري الذي لعبته عصابات الإتجار بالبشر في تأجيج الأزمة، من خلال تقديم تأويلات خاطئة لمعطيات قانونية وإدارية تتعلق بإجراءات اللجوء والعبور. وتهدف هذه الشبكات الإجرامية إلى تحقيق مكاسب مادية عبر استغلال طموحات الشباب والمهاجرين وتضليلهم بشأن سهولة الوصول إلى الأراضي الأوروبية.
هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي وترويج معلومات مضللة ودور عصابات الإتجار بالبشر.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الرباط، فإن نحو 40 ألف شخص شاركوا في محاولات الاقتحام الجماعي لمدينة سبتة، وهو رقم يعكس ضخامة التحدي الأمني الذي واجهته القوات المرابطة على الحدود. وفي الوقت نفسه، نجحت السلطات المغربية في إحباط محاولات أخرى استهدفت مدينة مليلية، حيث تم منع 1135 شخصاً من تجاوز السياج الحدودي هناك.
من جهتها، أكدت المصادر الإسبانية أن إجمالي الذين حاولوا التدفق نحو سبتة في الأيام الأخيرة تجاوز 60 ألف شخص، وهو ما وضع المنظومة الأمنية والخدمية في المدينة تحت ضغط هائل. وأشارت السلطات إلى أنها تمكنت من إعادة الغالبية العظمى من المهاجرين إلى المغرب، بالتنسيق مع الجهات المعنية، لضمان استعادة النظام العام في المنطقة الحدودية.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الميداني، بل امتدت لتشمل ضغوطاً ديبلوماسية دولية على مدريد، حيث واجهت الحكومة الإسبانية انتقادات لاذعة من شركائها في الاتحاد الأوروبي. كما أعربت الولايات المتحدة عن قلقها إزاء السياسات المتبعة في إدارة ملف الهجرة، مما وضع الحكومة الإسبانية في موقف حرج أمام الرأي العام الدولي.
وتسلط هذه الأحداث الضوء مجدداً على هشاشة الوضع الحدودي في شمال إفريقيا والحاجة الملحة لتنسيق أمني أعمق لمواجهة شبكات التهريب العابرة للحدود. وتستمر الجهات المختصة في كلا البلدين بمراقبة الوضع عن كثب، مع التركيز على مكافحة المحتوى المضلل الذي يتم تداوله عبر الإنترنت لمنع تكرار مثل هذه الموجات البشرية الخطيرة.













