شهدت الساحة السياسية والقانونية في الولايات المتحدة تصعيداً جديداً ضد السياسات الاقتصادية للبيت الأبيض، حيث سارعت 25 ولاية أميركية إلى رفع دعوى قضائية جماعية ضد إدارة الرئيس دونالد ترمب. وتأتي هذه الخطوة القانونية رداً على فرض حزمة جديدة من الرسوم الجمركية التي استهدفت نحو 60 دولة، في خطوة اعتبرتها الولايات المدعية تجاوزاً صريحاً للصلاحيات الدستورية الممنوحة للرئيس.
وقدمت الولايات مذكرة قانونية مفصلة إلى محكمة التجارة الدولية الأميركية في نيويورك، أكدت فيها عدم وجود ترابط منطقي بين الذرائع التي سقتها الإدارة والنتائج المترتبة على هذه الرسوم. وأشارت المذكرة إلى أن الادعاءات المتعلقة بمكافحة العمل القسري في سلاسل التوريد الدولية لا تبرر فرض رسوم جمركية شاملة وعالمية تؤثر على استقرار الأسواق المحلية والعالمية.
وتضم جبهة المعارضة القانونية 23 ولاية يقودها حكام من الحزب الديمقراطي، بالإضافة إلى انضمام ولايتي نيفادا وفيرمونت اللتين يحكمهما جمهوريون، مما يعكس اتساع رقعة القلق من التداعيات الاقتصادية لهذه القرارات. ويرى مراقبون أن هذا التحالف العابر للأحزاب يضع إدارة ترمب في مواجهة مباشرة مع السلطات المحلية التي تخشى من ارتفاع الأسعار وتضرر المستهلكين.
من جانبه، دافع الممثل التجاري الأميركي، جيميسون غرير، عن هذه الإجراءات، مشيراً إلى أن واشنطن تلتزم بصرامة بحظر استيراد السلع المنتجة عبر السخرة منذ قرابة قرن من الزمان. وأوضح غرير أن الوقت قد حان لفرض ضغوط حقيقية على الشركاء التجاريين ليحذوا حذو الولايات المتحدة في تنفيذ معايير العمل الأخلاقية، معتبراً الرسوم أداة ضغط ضرورية.
ودخلت الرسوم الجديدة حيز التنفيذ يوم الجمعة الماضي، وهي تستهدف شركاء تجاريين كباراً من بينهم الصين والهند ودول الاتحاد الأوروبي، بنسب تتراوح ما بين 10 إلى 12.5 في المئة. وتهدف هذه الحزمة إلى استبدال منظومة سابقة من الرسوم كان ترمب قد فرضها في وقت سابق من العام الجاري قبل أن تنتهي مدتها القانونية أو تواجه عوائق قضائية.
لا توجد أي علاقة منطقية بين المشكلة المزعومة المتمثلة في العمل القسري ضمن سلاسل التوريد الدولية وبين الرسوم الجمركية العالمية الشاملة.
وتسعى إدارة ترمب من خلال هذه التحركات إلى إعادة بناء هيكلية الرسوم الجمركية بعد الضربة التي تلقتها من المحكمة العليا في فبراير الماضي، حين أبطلت المحكمة مجموعة من القرارات المماثلة. وكان ذلك الحكم قد وضع قيوداً واضحة على قدرة الرئيس في فرض ضرائب استيراد باهظة بشكل منفرد ودون العودة للتشريعات المنظمة.
وفي رد فعل سريع من البيت الأبيض، أكد المتحدث باسم الرئاسة، كوش ديساي أن جميع الإجراءات المتخذة تقع ضمن الإطار القانوني الصحيح والصلاحيات التنفيذية للرئيس. وأضاف ديساي أن الولايات المتحدة تستخدم أدواتها القانونية لإنهاء ممارسات تجارية دولية وصفها بأنها غير مقبولة وتفرض أعباءً غير عادلة على الاقتصاد الأميركي والشركات الوطنية.
واستندت الإدارة في تبريرها القانوني إلى المادة 301 من قانون التجارة الصادر عام 1974، وهي مادة تمنح الحكومة صلاحية التحقيق في الممارسات الأجنبية التمييزية والرد عليها. ويرى البيت الأبيض أن هذه المادة أثبتت فاعليتها كأداة قانونية متينة منذ الولاية الأولى لترمب، وهي تظل الركيزة الأساسية لسياساته التجارية الحالية.
ومنذ عودته إلى السلطة في ولايته الثانية، تبنى ترمب نهجاً اقتصادياً هجومياً أحدث اضطرابات ملموسة في حركة التجارة العالمية، مستهدفاً الحلفاء والمنافسين على حد سواء. وينطلق ترمب في سياساته من قناعة مفادها أن الشركاء التجاريين استغلوا الاقتصاد الأميركي لعقود طويلة، وهو ما يتطلب إعادة صياغة كاملة للعلاقات التجارية الدولية.
وتترقب الأوساط الاقتصادية ما ستسفر عنه هذه المواجهة القضائية في محكمة التجارة الدولية، حيث قد تؤدي النتائج إلى تجميد هذه الرسوم أو تثبيتها. وفي حال استمرار هذه السياسات، يتوقع خبراء أن تشهد الأسواق العالمية موجة جديدة من التضخم والتوترات الدبلوماسية، خاصة مع تلويح دول كبرى مثل الصين باتخاذ إجراءات انتقامية مماثلة.













