شهد البرلمان التركي مساء الإثنين تحولاً تشريعياً بارزاً بالمصادقة على ما وُصف بـ ‘القانون التاريخي’ الذي يضع إطاراً قانونياً لإعادة دمج مقاتلي حزب العمال الكردستاني في المجتمع. وجاءت هذه الخطوة تتويجاً لمسار سلام انطلق قبل نحو عامين، حيث حظي المشروع بتأييد واسع النطاق داخل أروقة البرلمان.
ووفقاً لنتائج التصويت، فقد وافقت أغلبية ساحقة بلغت 468 نائباً على نص القانون، في حين عارضه 88 عضواً، واختار 6 نواب الامتناع عن التصويت. ويعكس هذا التأييد الكبير توافقاً سياسياً نادراً بين الحزب الحاكم وبعض قوى المعارضة حول ضرورة إنهاء الصراع المسلح الممتد منذ عقود.
ويهدف التشريع الجديد إلى تسهيل عودة ‘المتمردين الأكراد’ الذين قرروا التخلي عن العمل المسلح وتسليم أسلحتهم طواعية للانخراط مجدداً في الحياة المدنية. ومع ذلك، شددت المصادر على أن القانون لا يمنح عفواً عاماً شاملاً، بل يضع ضوابط محددة لعملية الدمج القانوني والمجتمعي.
ومن أبرز بنود القانون تعليق الملاحقات القضائية وإيقاف تنفيذ أحكام السجن الصادرة بحق المتورطين في بعض الجرائم لفترة اختبار تتراوح بين خمس وعشر سنوات. وفي حال التزام الشخص بالقانون وعدم ارتكاب أي مخالفات خلال هذه المدة، يتم إسقاط التحقيقات وتعتبر العقوبات السابقة كأنها نُفذت بالكامل.
وعلى الرغم من شمولية القانون لقطاع واسع من المقاتلين، إلا أنه وضع خطوطاً حمراء واضحة باستثناء الأفراد المتورطين في جرائم خطيرة وعلى رأسها القتل العمد. هذا الاستثناء يثير تساؤلات حول كيفية التعامل مع القيادات الميدانية التي خاضت مواجهات مباشرة خلال سنوات النزاع الطويلة.
الإشارة إلى نزع السلاح فقط، من دون استخدام مصطلح (الكردي)، تظهر أن القضية لم تُعالج بالكامل.
ويبقى ملف مؤسس الحزب، عبد الله أوجلان، النقطة الأكثر حساسية في هذا المشهد السياسي، حيث لم يلحظ القانون أي إجراء مباشر يخص وضعه الحالي. أوجلان، الذي يبلغ من العمر 77 عاماً، لا يزال يقبع في سجن انفرادي بجزيرة إمرالي منذ اعتقاله في عام 1999، حيث يقضي حكماً بالسجن المؤبد.
وكان أوجلان قد لعب دوراً محورياً في دفع مقاتليه نحو هذا المسار، بعد أن دعاهم العام الماضي لإلقاء السلاح استجابة لمبادرات سياسية. وتأتي هذه التطورات بعد عقود من الصراع المسلح الذي بدأه أوجلان في عام 1984، والذي خلف آلاف الضحايا وأثر بعمق على الاستقرار في المنطقة.
من جانبه، أبدى حزب العمال الكردستاني تحفظات شديدة على الصيغة النهائية للقانون، معتبراً أنها تتضمن ‘أخطاء ونواقص خطيرة’ قد تعيق تحقيق السلام الدائم. وأشارت قيادة الحزب في بيان لها إلى أن تجاهل الإفراج عن أوجلان سيجعل الكثير من بنود هذا التشريع مجرد ‘حبر على ورق’.
وانتقد البيان أيضاً خلو النص القانوني من مصطلحات سياسية واضحة تتعلق بالهوية الكردية، مركزاً فقط على الجوانب التقنية لنزع السلاح. ورأت القيادة الكردية أن هذا القصور يشير إلى عدم معالجة جذور القضية الكردية بشكل كامل وشامل كما كان مأمولاً في بداية المفاوضات.
يُذكر أن هذه الخطوة التشريعية تأتي بعد مراسم رمزية وتاريخية جرت في يوليو 2025، حيث قام مقاتلون من الحزب بتدمير أسلحتهم علناً. وتأمل الأوساط السياسية في أن يساهم هذا القانون في طي صفحة النزاع، رغم التحديات الكبيرة التي تفرضها ملفات القيادات التاريخية والمطالب السياسية العالقة.













