أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في العاصمة السورية دمشق، أحكاماً قضائية بالإعدام بحق رئيس النظام السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد القائد السابق للفرقة الرابعة. وشملت الأحكام أيضاً عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، وستة مسؤولين أمنيين وعسكريين آخرين، بعد إدانتهم بجرائم مرتبطة بقمع الاحتجاجات الشعبية.
وجاءت هذه القرارات القضائية في ختام الجلسة التاسعة للمحاكمة التي انطلقت مساراتها العلنية في أبريل من العام الماضي. وقد أدانت المحكمة المتهمين بارتكاب جرائم القتل العمد، والتعذيب الممنهج، والاعتقال التعسفي، بالإضافة إلى توصيف أفعالهم كجرائم ضد الإنسانية استهدفت المدنيين السوريين منذ عام 2011.
وأكد القاضي فخر الدين العريان، رئيس المحكمة أن التحقيقات المستفيضة وإفادات الشهود أثبتت تورط عاطف نجيب بشكل مباشر في الحملات الأمنية الدامية بمدينة درعا. كما حملت المحكمة بشار الأسد المسؤولية الجنائية الكاملة بصفته صاحب القرار الأعلى في الدولة والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك.
وتعد هذه الأحكام خطوة جوهرية في مسار العدالة الانتقالية الذي تسعى سوريا لترسيخه عبر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية المنشأة بمرسوم في عام 2025. وتهدف هذه العملية إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة، وضمان جبر ضرر الضحايا الذين عانوا على مدار سنوات الصراع.
ويرى مراقبون أن صدور هذه الأحكام يمثل انتقالاً نوعياً من مرحلة توثيق الانتهاكات الحقوقية إلى مرحلة المحاسبة القضائية الفعلية أمام المحاكم الوطنية. وتضع هذه الخطوة الشخصيات التي كانت تتربع على قمة هرم السلطة تحت طائلة المسؤولية الجنائية الفردية، مما يعزز سيادة القانون في المرحلة الانتقالية.
ومع صدور الأحكام، تبرز تساؤلات قانونية معقدة حول آليات التنفيذ، لا سيما وأن بشار وماهر الأسد يتواجدان حالياً خارج الأراضي السورية. ويتطلب تنفيذ العقوبة وضع المحكوم عليهم في قبضة السلطات، وهو أمر يرتبط بمدى التعاون الدولي والاتفاقيات الأمنية المبرمة مع الدول المستضيفة.
وتشير مصادر قانونية إلى أن ملاحقة الأسد في الخارج تتطلب إجراءات دبلوماسية وقضائية مكثفة لمطالبة الدول بتسليمه استناداً إلى الأحكام الصادرة. وتبرز روسيا كطرف أساسي في هذا الملف، كونها تستضيف الأسد وعائلته في موسكو، مما يضع العلاقات السورية الروسية أمام اختبار قانوني جديد.
الحكم يعزز الموقف القضائي السوري في مواجهة بشار الأسد، لكنه يجعل استرداده من روسيا أكثر تعقيداً بسبب طبيعة العقوبة.
وفي هذا السياق، أوضحت النائبة في مجلس الشعب، نور عبد الغني عربو أن الحكم بحق عاطف نجيب يحمل دلالات رمزية كبرى تتجاوز شخصه لتطال المنظومة الأمنية برمتها. وأشارت إلى أن المحكمة نظرت في سياق واسع من الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، ولم تكتفِ بحوادث منفردة أو مناطقية.
وأضافت عربو أن وجود اتفاقية تسليم مجرمين بين سوريا وروسيا يمنح دمشق الحق في تقديم طلب رسمي لاسترداد المحكوم عليهم. إلا أنها نبهت إلى أن عقوبة الإعدام قد تمثل عائقاً قانونياً، حيث تشترط بعض الدول ضمانات بعدم تنفيذ هذه العقوبة كشرط أساسي لإتمام عمليات التسليم.
من جهة أخرى، تثير هذه المحاكمات نقاشات حول التوازن بين تحقيق العدالة والحفاظ على السلم الأهلي ومنع الانجرار نحو عمليات انتقامية. وتشدد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على أن المساءلة يجب أن تظل فردية ومؤسسية، بعيداً عن أي شكل من أشكال العقاب الجماعي أو الثأر الشخصي.
ويعكف مجلس الشعب السوري حالياً على استكمال التشريعات الخاصة بقانون العدالة الانتقالية، لضمان وجود إطار قانوني شامل يغطي كافة جوانب المحاسبة. ويهدف القانون المقترح إلى معالجة إرث الانتهاكات الطويل وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية لضمان عدم تكرار ما حدث في المستقبل.
وتمثل الأحكام الصادرة اليوم اختباراً حقيقياً لقدرة القضاء السوري على تحويل الأحكام الغيابية إلى قضايا قابلة للتنفيذ على المستوى الدولي. كما تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته في دعم مسار العدالة في سوريا والمساعدة في جلب المتهمين بجرائم ضد الإنسانية إلى العدالة.
ويبقى الرهان قائماً على أن تشكل هذه الخطوات القضائية رادعاً مستقبلياً، ووسيلة لرد الاعتبار المعنوي لآلاف الضحايا وعائلاتهم. إن تحقيق العدالة الشمولية يتطلب، إلى جانب الأحكام القضائية، مسارات موازية لتخليد ذكرى الضحايا وتعويض المتضررين مادياً ومعنوياً.
ختاماً، فإن قضية ملاحقة رؤوس النظام السابق ستبقى مفتوحة على احتمالات سياسية وقانونية متعددة في ظل التعقيدات الدولية. لكن الثابت أن القضاء السوري قد وضع بصمته الرسمية في سجل المحاسبة، محولاً المطالب الشعبية بالعدالة إلى أحكام قانونية مبرمة بانتظار لحظة التنفيذ.













