أثارت الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جزر كوريل المتنازع عليها أزمة دبلوماسية حادة بين موسكو وطوكيو. ووصفت الحكومة اليابانية هذه الخطوة بأنها استفزازية وتتعارض مع التفاهمات التاريخية، مما دفع وزارة الخارجية اليابانية إلى اتخاذ إجراءات احتجاجية فورية.
ونددت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بالزيارة، معتبرة إياها تصرفاً غير مقبول يسيء لمشاعر الشعب الياباني بشكل مباشر. وأكدت في تصريحات للصحافيين أن هذه الجزر، التي تطلق عليها طوكيو اسم الأقاليم الشمالية، هي جزء لا يتجزأ من الأراضي اليابانية بموجب القانون الدولي.
في المقابل، ردت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا بلهجة شديدة، واصفة الانتقادات اليابانية بأنها متغطرسة ولا أساس قانوني لها. وأوضحت زاخاروفا أن السيادة الروسية على الأرخبيل حُسمت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات الحلفاء.
وشهدت العاصمة طوكيو تحركاً دبلوماسياً تمثل في استدعاء وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي للسفير الروسي نيكولاي نوزدريف. وأبلغ موتيغي السفير الروسي أن مثل هذه الخطوات المفاجئة سيكون لها تأثير سلبي للغاية على العلاقات الثنائية المتوترة بالفعل منذ بدء الحرب في أوكرانيا.
من جانبه، أكد السفير الروسي خلال اللقاء أن وضع الجزر غير قابل للتشكيك أو النقاش مع أي دول أجنبية، باعتبارها جزءاً من الاتحاد الروسي. وشدد على أن تحركات الرئيس الروسي داخل أراضي بلاده هي شأن داخلي سيادي لا يقبل التدخل من أي طرف خارجي.
وتأتي هذه الزيارة في وقت حساس، حيث عقد بوتين البالغ من العمر 73 عاماً اجتماعاً في منطقة سخالين ركز على تأمين الحدود الشرقية لروسيا. وبث الكرملين لقطات تظهر الرئيس وهو يتفقد منشآت اقتصادية في الجزر، من بينها مصنع لإنتاج الأسماك والكافيار.
ويرى مراقبون أن توقيت الزيارة يحمل رسائل سياسية وعسكرية قوية لليابان وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. وتعد جزر كوريل نقطة ارتكاز استراتيجية لروسيا في المحيط الهادئ، حيث توفر قواعد جوية وبحرية تتيح السيطرة على الممرات المائية الحيوية.
نرفض بشكل قاطع هذه التصريحات التي نرى أنها غير ملائمة سياسياً، ومهينة، وبالطبع لا أساس قانونياً لها.
وتشير التقارير إلى أن موسكو عززت وجودها العسكري في الأرخبيل خلال السنوات الأخيرة عبر نشر أنظمة صواريخ باستيون للدفاع الساحلي. كما تم تزويد القواعد هناك بمقاتلات من طراز سو-35، مما يعكس رغبة الكرملين في تحويل الجزر إلى حصن دفاعي منيع في الشرق.
وتعود جذور النزاع إلى عام 1945 عندما سيطر الاتحاد السوفياتي على الجزر في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية وقام بترحيل سكانها اليابانيين. ومنذ ذلك الحين، فشل البلدان في التوصل إلى معاهدة سلام دائمة تنهي الخلاف الحدودي القائم منذ عقود.
وازدادت حدة التوتر بشكل ملحوظ منذ عام 2022، بعد انضمام اليابان إلى دول مجموعة السبع في فرض عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا. واعتبر بوتين هذه العقوبات غير مبررة، متهماً طوكيو بتبني سياسات معادية تضع روسيا في خانة التهديد الرئيسي لأمنها.
وعلى الصعيد الميداني، يقطن الجزر حالياً نحو 20 ألف مواطن روسي يعيشون في ظروف مناخية قاسية، لكنهم يعتمدون على ثروات طبيعية هائلة. وتشتهر المنطقة باحتياطيات من الذهب والفضة، فضلاً عن كونها واحدة من أغنى مناطق صيد الأسماك في العالم.
وفي سياق متصل، تراقب طوكيو بقلق تزايد التعاون العسكري بين روسيا والصين في المناطق المحيطة بالأرخبيل، بما يشمل مناورات جوية وبحرية مشتركة. وتضطر المقاتلات اليابانية لتنفيذ مئات الطلعات الاعتراضية سنوياً لمواجهة الاقتراب المتكرر للطائرات العسكرية الروسية والصينية.
كما دخلت كوريا الشمالية على خط الأزمة من خلال دعمها العسكري لروسيا، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني في شرق آسيا. وتعتبر بيونغ يانغ أن التوجهات العسكرية اليابانية الجديدة، المدعومة من واشنطن، تحول المنطقة إلى ساحة صراع محتملة.
ورغم وجود محاولات سابقة للتفاوض، مثل مقترح الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف عام 1956 لإعادة جزئيتين من الأرخبيل، إلا أن المحادثات وصلت لطريق مسدود. ويبدو أن زيارة بوتين الأخيرة قد وضعت مسماراً جديداً في نعش الجهود الدبلوماسية الرامية لحل هذا النزاع التاريخي.













