تبذل الدبلوماسية التركية جهوداً حثيثة في محاولة لاحتواء التصعيد الإقليمي ومنع دول الخليج العربية من الانخراط في المواجهة العسكرية المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف أنقرة من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى مواجهة شاملة تهدد استقرار المنطقة بأسرها وتؤدي إلى تدمير البنى التحتية الحيوية.
وحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من مغبة تحول النزاع الحالي إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف مقدرات دول المنطقة، مشيراً إلى أن أي أعمال انتقامية قد تطال دول الخليج ستمثل خطراً داهماً على الأمن الإقليمي. وجاءت تصريحات أردوغان عقب اجتماع لمجلس الوزراء، مؤكداً رغبة بلاده في خفض التصعيد وتجنيب العواصم الخليجية تبعات الصدام العسكري المباشر.
وفي سياق هذا الحراك، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان جولة شملت السعودية والإمارات وقطر، تضمنت مباحثات معمقة مع نظرائه في تلك الدول لبحث سبل التهدئة. وتهدف هذه الاتصالات المكثفة إلى بناء جدار صد دبلوماسي يحول دون انزلاق المنطقة نحو سيناريوهات مجهولة النتائج، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية والميدانية.
من جانبها، أشارت تقارير صحفية دولية إلى وجود تحول تدريجي في مواقف الرياض وأبوظبي نحو الانخراط في الصراع، وذلك عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وبنى تحتية استراتيجية. وأوضحت المصادر أن تكرار الاستهداف الإيراني للمصالح الخليجية دفع هذه الدول إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والسياسية تجاه طهران بشكل جذري.
وذكرت مصادر مطلعة أن السعودية اتخذت خطوات عملية تعكس هذا التحول، من بينها الموافقة على استخدام القوات الأمريكية لقاعدة الملك فهد الجوية في المنطقة الغربية. ويمثل هذا القرار تغييراً لافتاً في الموقف السعودي الذي كان يميل سابقاً إلى رفض استخدام أراضيه أو أجوائه لشن هجمات عسكرية مباشرة ضد الأهداف الإيرانية.
لا نريد أن تتحول الحرب إلى حرب استنزاف بين دول المنطقة، فالأعمال الانتقامية، وخاصة ضد دول الخليج، تنطوي على مثل هذا الخطر.
وفي الإمارات، بدأت السلطات باتخاذ إجراءات مالية وإدارية صارمة استهدفت أصولاً ومؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، شملت إغلاق مرافق صحية واجتماعية في دبي. وتهدف هذه الخطوات إلى تضييق الخناق المالي على طهران وتقليص قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية، في إطار استراتيجية تهدف لإضعاف التمويل العسكري الإيراني.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن إيران شنت بالفعل هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة طالت منشآت طاقة في عدة دول خليجية، رداً على ضربات إسرائيلية استهدفت مرافق نفطية إيرانية. هذا التصعيد المتبادل وضع المصالح الاقتصادية الخليجية في عين العاصفة، مما عزز القناعة لدى القادة بضرورة استعادة قوة الردع لحماية أمن الطاقة العالمي.
وصرح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بأن صبر المملكة تجاه التجاوزات والهجمات الإيرانية له حدود، محذراً من أي سوء تقدير لقدرة دول الخليج على الرد. وتعكس هذه التصريحات نبرة حازمة تشير إلى أن خيار المشاركة في العمليات العسكرية بات مطروحاً بقوة على طاولة القرار السياسي في العواصم الخليجية.
ورغم هذه التحركات التصعيدية، لا يزال الحذر يخيم على الموقف الخليجي العام خشية الانجرار إلى حرب شاملة قد تؤدي إلى تدمير واسع للمنشآت الحيوية. ويشعر القادة في المنطقة بأنهم جزء من تحالف دولي أوسع تقوده واشنطن، لكنهم يوازنون بدقة بين ضرورة الرد العسكري وبين التبعات السياسية والأمنية بعيدة المدى لأي مشاركة مباشرة.













