تكتيك جوي جديد للجيش السوداني يستهدف تحييد دفاعات الدعم السريع غرباً

23 فبراير 2026آخر تحديث :
تكتيك جوي جديد للجيش السوداني يستهدف تحييد دفاعات الدعم السريع غرباً

تشهد الساحة السودانية تطوراً ميدانياً لافتاً في طبيعة المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، حيث كشفت مصادر تحليلية عن تبني القوات المسلحة تكتيكاً جديداً يركز على شل القدرات الدفاعية الجوية للطرف الآخر. وتأتي هذه التحركات رغم الدعوات الدولية المتكررة للهدنة، إلا أن العمليات العسكرية في مناطق كردفان ودارفور اتخذت منحىً استراتيجياً يهدف لاستعادة السيطرة على الأجواء.

ورصدت تقارير فنية استناداً إلى بيانات الأقمار الصناعية وخرائط الحرائق الحرارية، تركيزاً مكثفاً من قبل الجيش على استهداف مواقع حيوية في غرب البلاد. ويُعتقد أن هذه الاستراتيجية تهدف بشكل أساسي إلى استعادة حرية الطيران الحربي، مما يسمح للجيش بتنفيذ ضربات دقيقة وتأمين عمليات الإنزال والإمداد في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

ويعد مطار نيالا في ولاية دارفور أحد أبرز الأهداف التي تعرضت لقصف متكرر وممنهج منذ أواخر العام الماضي وحتى فبراير الجاري. وأظهرت مقارنة الصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية اتساعاً ملحوظاً في البقع الداكنة المحيطة بمدرج المطار، وهي مؤشرات بصرية تؤكد وقوع انفجارات وحرائق كبيرة نتيجة الاستهداف الجوي المركز.

وفي العاشر من فبراير الجاري، رصدت أنظمة ‘ناسا فيرمز’ نقاطاً حرارية نشطة على بعد كيلومترات قليلة من مدرج مطار نيالا، بالتزامن مع ظهور بقع سوداء في صور أقمار ‘سنتينل’. هذه البيانات تتقاطع مع إعلانات رسمية للجيش السوداني حول تدمير وحدات من المسيرات المعادية ومنظوماتها الدفاعية بدقة عالية في تلك المنطقة الاستراتيجية.

وتشير التحليلات الصادرة عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ‘ييل’ إلى وجود انتشار مكثف لمسيرات انتحارية تابعة لقوات الدعم السريع في محيط مطار نيالا. هذا الوجود العسكري المكثف جعل من المطار هدفاً أولوياً للجيش الساعي لتحييده كقاعدة إمداد وهجوم رئيسية تعتمد عليها القوات في عملياتها بدارفور.

وبالتوازي مع العمليات في دارفور، وسع الجيش السوداني نطاق استهدافاته لتشمل مواقع في جنوب وغرب كردفان، ضمن استراتيجية التفاف شاملة. ويهدف هذا التحرك إلى تأمين خطوط الإمداد العسكرية وضرب العمق الدفاعي للدعم السريع، خاصة بعد النجاح في استعادة السيطرة على مدينتي الدلنج وكادوقلي الاستراتيجيتين.

إن السيطرة على الدلنج وكادوقلي في نهاية يناير الماضي مكنت الجيش من خلق قاعدة انطلاق قوية نحو الفاشر ودارفور. ويسعى الجيش حالياً لتأمين هذا التقدم من خلال ضرب أنظمة الدفاع الجوي التي قد تعيق حركة الطيران المروحي والحربي المساند للقوات البرية المتقدمة في تلك المحاور الوعرة.

الجيش السوداني يحاول اليوم قلب الموازين من خلال إسقاط أنظمة الدفاع الجوي التابعة لقوات الدعم السريع، وتأمين حرية الحركة الجوية في العمق الغربي.

وفي منتصف فبراير الجاري، أعلنت مصادر عسكرية عن تدمير منظومات دفاع جوي متطورة تابعة للدعم السريع في منطقة أبو زبد. ونشرت وسائل إعلام رسمية مقاطع فيديو توثق لحظة استهداف منظومة دفاع جوي صينية الطراز من نوع ‘إف كيه 2000’، والتي تعد من الأسلحة النوعية التي دخلت خط المواجهة مؤخراً.

وتمكنت فرق التحقيق الجغرافي من تحديد موقع الاستهداف بدقة عبر مطابقة المعالم الجغرافية ومسارات السكة الحديدية الرابطة بين الدبيبات وأبو زبد. وأكدت صور الأقمار الصناعية المحدثة بتاريخ 13 فبراير وجود آثار دمار وحرائق في الموقع المستهدف، لم تكن موجودة في المسوحات السابقة التي أجريت قبل خمسة أيام فقط.

وتأتي هذه العمليات المكثفة للجيش كرد فعل على خسائر سابقة، من بينها سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي وما تبعها من حوادث استهداف للطيران. ففي نوفمبر الماضي، وثقت مقاطع فيديو سقوط طائرة نقل عسكرية تابعة للجيش في محيط مدينة بابنوسة، وهو ما دفع القيادة العسكرية لتغيير تكتيكاتها لحماية أصولها الجوية.

وأظهرت بيانات نظام معلومات الحرائق التابع لوكالة ‘ناسا’ علامات حرائق مؤكدة في موقع سقوط الطائرة ببابنوسة في الرابع من نوفمبر. كما رصدت أقمار ‘سنتينل’ حطاماً في الموقع نفسه، مما عزز القناعة لدى هيئة الأركان بضرورة تحييد الدفاعات الجوية للدعم السريع قبل تنفيذ أي عمليات جوية واسعة النطاق.

إن التكتيك الجديد يعتمد على ‘الاستنزاف النوعي’، حيث يتم التركيز على تدمير الرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ المحمولة والمسيرات الانتحارية. هذا الأسلوب يقلل من المخاطر التي تواجه المقاتلات السودانية أثناء تنفيذ مهام الاستطلاع أو القصف الجوي في مناطق العمق الغربي التي تشهد تداخلاً كبيراً في السيطرة.

ويرى مراقبون أن نجاح الجيش في تحييد مطار نيالا ومنظومات الدفاع الجوي في كردفان سيغير موازين القوى ميدانياً بشكل كبير. فاستعادة التفوق الجوي الكامل تعني قطع طرق الإمداد العابرة للحدود التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع، وتسهيل وصول المساعدات العسكرية واللوجستية للمناطق المحاصرة.

ختاماً، يظهر من سياق العمليات الأخيرة أن الصراع في السودان دخل مرحلة تكسير العظام تكنولوجياً وعسكرياً، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على الأرض فقط. إن إصرار الجيش على تنفيذ هذا التكتيك الجوي الجديد يشير إلى نية واضحة لحسم المعارك في إقليمي دارفور وكردفان خلال الفترة المقبلة، وتجاوز حالة الجمود الميداني.