تعيش العائلة المالكة البريطانية حالة من الصدمة والارتباك عقب إقدام الشرطة على توقيف الأمير السابق أندرو، شقيق الملك تشارلز الثالث، في إجراء هو الأول من نوعه في التاريخ الحديث للأسرة الحاكمة. وقد لزم الأمير منزله في مقاطعة نورفولك عقب خضوعه لاستجواب مكثف استمر لنحو إحدى عشرة ساعة، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقاً على ذمة التحقيقات المستمرة.
وأفادت مصادر بأن السلطات الأمنية لم تكتفِ بالاستجواب، بل واصلت عمليات تفتيش دقيقة لمقار إقامة الأمير السابقة والحالية، بما في ذلك منزل ‘رويال لودج’ في وندسور الذي يضم ثلاثين غرفة. كما شملت المداهمات مقر ‘وود فارم’ حيث يقيم أندرو مؤقتاً، في إطار البحث عن أدلة مادية تتعلق بالاتهامات الجديدة الموجهة إليه والتي ترتبط بملفات قضية جيفري إبستين.
وتأتي هذه التطورات المثيرة بعد الكشف عن وثائق تشير إلى قيام أندرو بتسريب معلومات قد تكون سرية وحساسة للمتمول الأمريكي الراحل جيفري إبستين خلال العقد الماضي. وتعود هذه التسريبات إلى الفترة التي كان يشغل فيها الأمير منصب المبعوث التجاري الخاص للمملكة المتحدة، مما يضعه تحت طائلة قانون إساءة السلوك في منصب عام.
من جانبه، كسر الملك تشارلز الثالث بروتوكول الصمت المعتاد، وأصدر بياناً نادراً أعرب فيه عن قلقه البالغ إزاء توقيف شقيقه، مؤكداً في الوقت ذاته دعمه الكامل للإجراءات القانونية والسلطات الأمنية. ويعكس هذا الموقف رغبة القصر في النأي بنفسه عن الفضيحة وحماية سمعة العرش من التداعيات القانونية المحتملة للأزمة.
ويرى خبراء في الشؤون الملكية أن هذه اللحظة تعد الأخطر على التاج البريطاني منذ عقود طويلة، حيث تضع المؤسسة الملكية في مواجهة مباشرة مع القضاء الجنائي. وأشار المحللون إلى أن حالة الغموض المحيطة بنتائج التحقيقات تزيد من الضغوط على الملك، خاصة مع احتمال توجيه اتهامات رسمية قد تؤدي إلى محاكمة علنية.
ووثقت عدسات المصورين لحظة مغادرة الأمير لمركز الشرطة، حيث بدت عليه علامات الإرهاق والذهول الشديدين، في صور تصدرت عناوين الصحف البريطانية والعالمية. ووصفت الصحافة المحلية ما حدث بأنه ‘سقوط مدوٍ’ لأمير كان يوماً يمثل الوجه التجاري لبريطانيا في المحافل الدولية قبل أن تلاحقه فضائح إبستين.
وعلى الصعيد الدولي، لم تغب الحادثة عن التصريحات السياسية، حيث وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقيف الأمير بأنه أمر ‘محزن للغاية’ للعائلة الملكية البريطانية. واعتبر ترامب في تصريحات للصحافيين أن الموقف يمثل انتكاسة كبيرة لمكانة الأسرة الحاكمة، معرباً عن أسفه لوصول الأمور إلى هذا المنحنى الدرامي.
إنها لحظة بالغة الأهمية بالنسبة للعرش البريطاني، والعناصر المجهولة في هذه القضية تشكل تهديداً حقيقياً للمؤسسة الملكية.
وتشير الوثائق المسربة إلى أن أندرو أرسل تقارير مفصلة عن زيارات رسمية لدول آسيوية إلى إبستين في عام 2010، رغم علم السلطات حينها بإدانة الأخير بجرائم جنسية. وتشدد القوانين البريطانية على ضرورة الحفاظ على سرية المعلومات التجارية والسياسية المرتبطة بالمهام الرسمية، وهو ما قد يضع الأمير في مواجهة عقوبة السجن المؤبد.
وتزامن هذا الاحتجاز المهين مع ذكرى ميلاد الأمير أندرو السادسة والستين، مما جعل هذا اليوم الأكثر قسوة في مسيرته التي شهدت تجريده سابقاً من ألقابه العسكرية وواجباته الملكية. ورغم محاولات الملك تشارلز إظهار أن الأمور تسير كالمعتاد عبر ممارسة مهامه العامة، إلا أن ظلال التحقيقات خيمت على كافة الأنشطة الملكية.
وفي سياق متصل، أعادت هذه التطورات تسليط الضوء على مذكرات فيرجينيا جوفريه، التي اتهمت الأمير سابقاً بالاعتداء عليها ضمن شبكة إبستين للاتجار بالبشر. ورغم تسوية أندرو للدعوى المدنية في الولايات المتحدة سابقاً دون اعتراف بالذنب، إلا أن الملفات الجديدة التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية فتحت الباب أمام ملاحقات جنائية جديدة.
وتؤكد مصادر قانونية أن تسع وحدات شرطية على الأقل في المملكة المتحدة تعكف حالياً على دراسة ملايين الملفات الصادرة عن التحقيقات الأمريكية الأخيرة. ويهدف هذا التدقيق الواسع إلى تحديد ما إذا كانت هناك أدلة كافية لتوجيه اتهامات رسمية بالفساد أو التآمر أو إساءة استخدام السلطة ضد أفراد مرتبطين بالشبكة.
وفي المقابل، لا يزال مارك إبستين، شقيق المتمول الراحل، يثير الجدل بادعاءاته المستمرة حول وجود أدلة تثبت مقتل شقيقه داخل سجنه في نيويورك عام 2019. ورغم تأكيدات مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل الأمريكية على انتحار إبستين، إلا أن هذه المزاعم تزيد من تعقيد المشهد القانوني والسياسي المحيط بالقضية.
وتعتبر مؤرخة الشؤون الملكية آنا وايتلوك أن اعتقال فرد من العائلة المالكة هو حدث لم يتكرر منذ قرون، وتحديداً منذ عهد الملك تشارلز الأول. وترى وايتلوك أن استراتيجية ‘الحفاظ على الهدوء’ التي تتبعها الملكية البريطانية ستواجه اختباراً عسيراً أمام ضغط الحقائق القانونية والاهتمام الإعلامي العالمي غير المسبوق.
ويبقى التساؤل القائم في الأوساط البريطانية حول مدى قدرة الملك تشارلز الثالث على احتواء هذه الأزمة دون أن تمس شرعية العرش أو استقراره. فبينما تستمر التحقيقات في ‘رويال لودج’ و’مارش فارم’، يترقب الشارع البريطاني الخطوة القادمة للادعاء العام التي قد تغير وجه الملكية البريطانية إلى الأبد.













