أعلنت الحكومة الباكستانية عن تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية المكثفة استهدفت مدينتي كابل وقندهار فجر اليوم الجمعة، في خطوة وصفتها بأنها رد على هجمات أفغانية استهدفت منشآت عسكرية حدودية. وأكد وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله تارار أن الغارات طالت أهدافاً دفاعية تابعة لحركة طالبان في العاصمة كابل وولايتي باكتيا وقندهار، مشدداً على أن بلاده تتعامل بحزم مع التهديدات الأمنية.
في المقابل، لم تتأخر الحكومة الأفغانية في الرد، حيث أعلنت عن إطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق استهدفت مواقع تابعة للجيش الباكستاني على طول الشريط الحدودي. وأوضحت كابل أن هذه التحركات تأتي رداً مباشراً على استهداف مدنها الرئيسية، مؤكدة أن قواتها تمكنت من اختراق تحصينات عسكرية باكستانية في عدة محاور قتالية.
وأفادت مصادر ميدانية في العاصمة الأفغانية بسماع دوي انفجارات عنيفة تزامنت مع تحليق مكثف للطائرات المقاتلة الباكستانية في الأجواء. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة لتتوج حالة من التوتر المتصاعد الذي يشهده البلدان منذ أكثر من ثلاثة أيام، وسط مخاوف دولية من انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
من جانبه، صرح المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، بأن القوات الأفغانية شنت هجوماً مضاداً استهدف قواعد ومنشآت عسكرية باكستانية رداً على ما وصفه بالانتهاكات المتكررة. وأشار مجاهد إلى أن العمليات الهجومية كانت شاملة ونجحت في تحقيق أهدافها الميدانية في وقت قياسي، مما أدى إلى تراجع القوات الباكستانية في بعض المواقع.
وزارة الدفاع الأفغانية كشفت في بيان لها عن تفاصيل العملية العسكرية، مؤكدة مقتل نحو 55 جندياً باكستانياً خلال الاشتباكات العنيفة التي دارت على امتداد الخط الحدودي. وأضاف البيان أن مقاتلي الحكومة الأفغانية تمكنوا من السيطرة الكاملة على موقعين عسكريين استراتيجيين، بالإضافة إلى 19 نقطة تفتيش كانت تابعة للقوات الباكستانية.
وعلى الجانب الآخر، نفت إسلام آباد بشدة سقوط أي من مواقعها العسكرية في يد القوات الأفغانية، واصفة الادعاءات الصادرة من كابل بأنها عارية عن الصحة. وصرح متحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بأن القوات الباكستانية أوقعت خسائر فادحة في صفوف المهاجمين، مؤكداً أن الجيش لا يزال يحتفظ بكامل سيطرته على النقاط الحدودية.
وزارة الإعلام الباكستانية أوضحت أن القوات الأفغانية هي من بدأت بإطلاق النيران بشكل غير مبرر على مواقع عدة في إقليم خيبر بختونخوا. وأكدت الوزارة أن الرد الباكستاني كان فورياً وفعالاً، بهدف حماية السيادة الوطنية وصد الهجمات التي تستهدف أمن واستقرار المناطق الحدودية الحساسة.
ردًا على الانتهاكات المتكررة للجيش الباكستاني، شُنّت عمليات هجومية واسعة النطاق ضد قواعد ومنشآت عسكرية باكستانية.
وفي سياق متصل، أكد المتحدث باسم طالبان أن القوات الأفغانية نجحت في السيطرة على أكثر من 15 نقطة عسكرية باكستانية في غضون ساعتين فقط من بدء الهجوم. وأشار إلى وجود عدد من الجرحى والأسرى في قبضة القوات الأفغانية، لافتاً إلى نقل جثث عشرة جنود باكستانيين إلى مناطق في ولاية كونار.
هذا التصعيد الميداني يأتي بعد أيام قليلة من غارات باكستانية استهدفت ولايتي ننكرهار وباكتيا، والتي أسفرت وفقاً لتقارير الأمم المتحدة عن مقتل 13 مدنياً على الأقل. وبينما ادعت باكستان أن ضرباتها استهدفت مسلحين، أكدت حكومة طالبان أن الضحايا كانوا من النساء والأطفال، مشيرة إلى مقتل 18 شخصاً في تلك الهجمات.
العلاقات بين الجارين شهدت تدهوراً حاداً في الأشهر الأخيرة، حيث أغلقت المعابر الحدودية الحيوية عدة مرات نتيجة اندلاع معارك عنيفة في أكتوبر الماضي. تلك المواجهات السابقة أسفرت عن سقوط أكثر من 70 قتيلاً من الجانبين، مما زاد من تعقيد المشهد السياسي والأمني بين كابل وإسلام آباد.
وعلى الرغم من وجود جهود دبلوماسية سابقة، إلا أن المفاوضات تعثرت في الوصول إلى اتفاق دائم ينهي النزاع الحدودي. وكانت قطر وتركيا قد توسطتا في وقت سابق للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، لكن الهدنة لم تصمد طويلاً أمام الاتهامات المتبادلة بالتحريض ودعم الجماعات المسلحة.
وفي تطور دبلوماسي أخير، تدخلت المملكة العربية السعودية خلال الشهر الجاري للتوسط في ملف الأسرى، حيث نجحت في إطلاق سراح ثلاثة جنود باكستانيين كانت أفغانستان قد أسرتهم. ومع ذلك، يبدو أن هذه الجهود لم تكن كافية لاحتواء فتيل الأزمة التي اشتعلت مجدداً بشكل أكثر عنفاً.
تتهم إسلام آباد بشكل مستمر حكومة كابل بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات حازمة ضد الجماعات المسلحة التي تنطلق من الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات داخل باكستان. وترى السلطات الباكستانية أن غياب التنسيق الأمني الحدودي يمنح هذه الجماعات ملاذاً آمناً، وهو ما تنفيه حكومة طالبان جملة وتفصيلاً.
من جهتها، تصر كابل على أن باكستان تنتهك سيادتها الوطنية عبر الغارات الجوية المتكررة والتدخل في شؤونها الداخلية. ومع استمرار التحشيد العسكري على جانبي الحدود، تزداد المخاوف من تحول هذه الاشتباكات المتقطعة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تؤثر على استقرار منطقة جنوب آسيا برمتها.













