البرلمان الجزائري يتوافق على حذف ‘الاعتذار والتعويض’ من قانون تجريم الاستعمار

9 مارس 2026آخر تحديث :
البرلمان الجزائري يتوافق على حذف ‘الاعتذار والتعويض’ من قانون تجريم الاستعمار

أنهت اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان الجزائري الجدل القائم حول مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، بالتوصل إلى صيغة توافقية رسمية. وقد تضمنت هذه الصيغة تعديلات جوهرية قضت بحذف الإشارة إلى مطلبي الاعتذار والتعويض من نص القانون، وذلك بعد دراسة معمقة لنقاط الاختلاف بين المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة.

ومن المقرر أن يُحال النص التشريعي ببعده التاريخي والسياسي إلى التصويت النهائي يوم الإثنين المقبل، حيث سيعرض على أعضاء الغرفتين لاعتماده. وتأتي هذه الخطوة لتغلق المسار التشريعي الطويل لهذا القانون، تمهيداً لصدوره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ الفعلي كأداة قانونية سيادية.

وشملت التعديلات التي أقرتها اللجنة حذف عبارة ‘والاعتذار’ من المادة التاسعة، لتصبح الصياغة مقتصرة على سعي الدولة لضمان الاعتراف الرسمي الفرنسي بالماضي الاستعماري. ويعكس هذا التعديل توجهاً جديداً يركز على الإطار السياسي والسيادي في التعامل مع ملف الذاكرة الوطنية بعيداً عن الصيغ السابقة.

كما قررت اللجنة إلغاء المادة العاشرة بالكامل، وهي المادة التي كانت تنص على حق الدولة والشعب الجزائري في الحصول على تعويض شامل ومنصف عن الأضرار المادية والمعنوية. وجاء هذا القرار بناءً على تحفظات رأت أن مسألة التعويض بصيغتها المقترحة لا تنسجم مع التوجهات الحالية للدولة الجزائرية.

وفي سياق متصل، تم إلغاء المادة الأولى من مشروع القانون التي كانت تتناول مناهضة الاستعمار بصفة عامة، حيث اعتبرتها اللجنة مادة فضفاضة لا تخدم الدقة القانونية المطلوبة. ورغم هذه الإلغاءات، حافظت اللجنة على البند المتعلق بتجريم الاستعباد الجنسي الوارد في المادة الخامسة بعد نقاشات مستفيضة.

التعديلات طالت أيضاً المادة السابعة، حيث تم حذف وصف ‘العظمى’ من سياق الحديث عن جريمة الخيانة المرتبطة بالتعاون مع السلطات الاستعمارية. ويهدف هذا التغيير إلى ضبط المصطلحات القانونية المستخدمة في توصيف صور التعاون التي استهدفت النضال الوطني والكفاح من أجل الاستقلال.

وعلى صعيد العقوبات، أقر القانون عقوبات حبسية تتراوح بين ثلاث إلى خمس سنوات، بالإضافة إلى غرامات مالية تصل إلى 500 ألف دينار لكل من يثبت تمجيده للاستعمار. وتشمل هذه العقوبات الأفعال القولية أو الكتابية أو نشر المحتويات الرقمية التي تهدف إلى تبرير الجرائم الاستعمارية أو الإشادة بها.

تسعى الدولة الجزائرية بكل الوسائل والآليات القانونية والقضائية، في إطار يضمن الاعتراف الرسمي من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري.

كما شدد القانون العقوبة لتصل إلى السجن لمدة عشر سنوات وغرامة مليون دينار في حال الترويج للاستعمار عبر الأنشطة الإعلامية أو الأكاديمية أو السياسية. وتتضمن هذه العقوبات المشددة الحرمان من الحقوق الوطنية والمدنية لكل من يحاول إحياء الأفكار الاستعمارية أو إنكار طبيعتها الإجرامية.

وبالرغم من إسقاط الحق العام في التعويض، أبقت اللجنة على مقتضيات المادة 11 التي تطالب بتعويضات محددة لضحايا التفجيرات النووية والألغام. ويتضمن هذا البند إلزامية تنظيف المواقع الملوثة إشعاعياً وتسليم الخرائط المتعلقة بها لضمان حقوق الضحايا وذويهم في تلك المناطق المتضررة.

ويؤكد النص المتوافق عليه على ضرورة استرجاع كافة الأموال المنهوبة والقيم المادية والمعنوية التي سُلبت خلال الحقبة الاستعمارية. كما يشدد على استعادة الأرشيف الوطني ورفات رموز المقاومة والحركة الوطنية، معتبراً ذلك جزءاً لا يتجزأ من مسار استعادة السيادة الوطنية الكاملة.

وتفصل المادة الخامسة من القانون قائمة طويلة من الجرائم الاستعمارية التي ارتكبت بحق الشعب الجزائري، بما في ذلك القتل العمد والاستخدام المفرط للقوة. كما تشمل القائمة استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، والتجارب الكيماوية، والإعدامات خارج نطاق القانون، والنهب الممنهج للثروات الوطنية.

كما وثق القانون جرائم التعذيب الوحشي، والتمييز العنصري، والترحيل القسري للسكان المدنيين إلى مناطق قاحلة، فضلاً عن الاختفاء القسري واحتجاز الأشخاص كدروع بشرية. وأشار النص إلى سياسات التجهيل والحرمان من التعليم والوظائف العامة التي مورست ضد الجزائريين طيلة عقود.

وتطرق القانون إلى الاعتداءات التي طالت الهوية الوطنية، بما في ذلك تدنيس دور العبادة ومحاولات التنصير القسري والعبث بنظام الحالة المدنية. واعتبرت اللجنة أن توثيق هذه الجرائم في نص قانوني يعد خطوة ضرورية لحماية الذاكرة الجماعية من محاولات التزييف أو النسيان.

يُذكر أن هذا المشروع يأتي بعد عقود من المحاولات التشريعية التي تعثرت منذ عام 2006، حيث كان يُستخدم أحياناً كأداة ضغط في العلاقات الثنائية. ويمثل الاتفاق الحالي محاولة لموازنة المطالب الشعبية التاريخية مع مقتضيات الدبلوماسية والواقعية السياسية التي تتبناها الدولة في المرحلة الراهنة.