دخلت التشكيلات السياسية في الجزائر في سباق محتدم مع الزمن لترميم قوائمها الانتخابية، عقب موجة إقصاءات واسعة طالت مئات المترشحين للانتخابات البرلمانية المقررة في الثاني من يوليو المقبل. وتعيش مقار الأحزاب حالة من الاستنفار لتجهيز بدلاء للمستبعدين قبل انقضاء الآجال القانونية، وسط أجواء من التوتر السياسي والقانوني.
وتركزت الانتقادات الحزبية على المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات، التي تحولت إلى عقبة رئيسية أمام الطامحين لدخول قبة البرلمان. وتنص هذه المادة على ضرورة خلو سجل المترشح من أي صلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وهو ما اعتبرته قوى سياسية معياراً فضفاضاً يُستخدم للإقصاء الإداري بعيداً عن أحكام القضاء.
وفي هذا السياق، وجه حزب العمال نداءً عاجلاً إلى الرئيس عبد المجيد تبون بصفته حامياً للدستور، مطالباً إياه بالتدخل الفوري لتجميد العمل بالمادة المذكورة. واعتبر الحزب أن التطبيق الحالي لهذه النصوص أدى إلى ما وصفه بـ ‘المذبحة’ الانتخابية التي مست كوادر ومناضلين نزهاء لم تصدر بحقهم أي إدانات قضائية.
من جانبها، أوضحت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات أن عملية استخلاف المترشحين المرفوضين يجب أن تتم فور التبليغ بقرار الرفض النهائي. وأشارت المصادر الرسمية إلى أن الباب يظل مفتوحاً لتقديم ملفات البدلاء حتى تاريخ السادس من يونيو المقبل، لضمان استمرارية القوائم في السباق الانتخابي.
وأكدت السلطة أن المترشحين الذين يلجؤون إلى القضاء الإداري للطعن في قرارات إقصائهم سيستعيدون أماكنهم تلقائياً في حال صدور أحكام لصالحهم. وفي هذه الحالة، تسقط صفة المترشح المستخلف قانوناً، ويعود الترتيب الأصلي للقائمة كما كان قبل صدور قرار الرفض الإداري الأولي.
ولم تقتصر موجة الرفض على تيار سياسي بعينه، بل شملت أحزاباً من الموالاة والمعارضة على حد سواء، بالإضافة إلى عدد كبير من القوائم المستقلة. وأثار هذا الشمول تساؤلات حول المعايير الأمنية والإدارية المعتمدة في التحقيقات التي تسبق قبول الملفات، ومدى دقة التقارير المرفوعة ضد المترشحين.
جبهة القوى الاشتراكية، أقدم أحزاب المعارضة، عبرت عن استنكارها الشديد لما وصفته بـ ‘الإقصاء السياسي’ الممنهج ضد مرشحيها في عدة ولايات. وأكدت الجبهة أن هذه الإجراءات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص وتعرقل المسار الديمقراطي الذي تنشده البلاد في هذه المرحلة الحساسة.
Facebook Post
إن مدى قرارات الرفض حوّل المادة 200 من القانون الانتخابي إلى آلة كاسحة للحقوق الدستورية للمترشحين دون محاكمة أو إدانة.
Facebook Post
وفي ولاية تيزي وزو، أعلنت قائمة ‘تافوست’ المستقلة عن رفض ملفات ستة من أعضائها، مشيرة إلى أن التهم الموجهة إليهم تتعلق بـ ‘أنشطة مشبوهة’ غير معرفة بدقة. وشددت القائمة على أن المستبعدين هم نشطاء حقوقيون ومدنيون معروفون بنزاهتهم، مما يضع علامات استفهام حول أهداف هذه القرارات.
حركة مجتمع السلم بدورها أبدت قلقاً متزايداً من التوسع في تفسير المادة 200، معتبرة أن حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية بناءً على شبهات إدارية يعد سابقة خطيرة. ودعت الحركة إلى ضرورة الاستناد إلى أحكام قضائية باتة ونهائية قبل اتخاذ أي قرار يقضي بمنع أي مواطن من الترشح.
كما انضم حزب ‘جيل جديد’ إلى جبهة المنتقدين، مؤكداً أن الأسباب التي ساقتها سلطة الانتخابات لرفض مرشحيه كانت عامة ومبهمة وتفتقر للأدلة الملموسة. واعتبر الحزب أن هذه الممارسات تساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وتؤثر سلباً على نسب المشاركة المتوقعة.
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر حول المادة 200 يعيد النقاش القديم حول ‘تسييس’ الإجراءات الإدارية في العمليات الانتخابية بالجزائر. فبينما تصر السلطات على أن الهدف هو تطهير البرلمان من ‘المال الفاسد’، ترى الأحزاب أن النص القانوني أصبح وسيلة للتحكم في خارطة التوازنات السياسية داخل المجلس القادم.
وتواجه المحاكم الإدارية في مختلف ولايات الوطن ضغطاً كبيراً للنظر في مئات الطعون المودعة من قبل المترشحين المقصيين خلال المهلة القانونية المحددة بثلاثة أيام. وتترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه هذه الأحكام، ومدى قدرتها على إنصاف المترشحين الذين يصرون على براءتهم من تهم ‘الشبهة’.
وفي ظل هذا الاحتقان، تبرز مخاوف من أن تؤدي هذه الإقصاءات إلى عزوف انتخابي واسع، خاصة في المناطق التي شهدت استبعاد شخصيات محلية تحظى بشعبية كبيرة. ويحذر ناشطون من أن غياب التعددية الحقيقية في القوائم قد يفرغ العملية الانتخابية من محتواها التنافسي ويضعف شرعية البرلمان العتيد.
ويبقى القرار النهائي بيد الرئاسة الجزائرية فيما يخص المطالب بتجميد المواد المثيرة للجدل، في وقت تستمر فيه التحضيرات اللوجستية للاقتراع. وتتجه الأنظار الآن نحو السادس من يونيو، الموعد النهائي الذي سيحسم بشكل قطعي هوية المتنافسين الذين سيخوضون غمار الحملة الانتخابية.













