السلطات الجزائرية تشمع مقر جمعية ‘مفقودي العشرية السوداء’ وتنهي نشاطها الميداني

18 مارس 2026آخر تحديث :
السلطات الجزائرية تشمع مقر جمعية ‘مفقودي العشرية السوداء’ وتنهي نشاطها الميداني

أنهت السلطات الجزائرية نشاط جمعية «أس أو أس مفقودين» في العاصمة، عقب تنفيذ قرار يقضي بإغلاق مقرها وتشميعه بشكل نهائي. وتعد هذه المنظمة من أبرز الهيئات التي عملت منذ تسعينيات القرن الماضي على ملف المفقودين والمختفين قسرياً خلال الأزمة الأمنية المعروفة بـ«العشرية السوداء»، وهو ما يضع حداً لنشاطها الحقوقي الميداني.

وأفادت مصادر بأن قوة أمنية مكونة من عناصر الشرطة بزي رسمي، ترافقهم وفود من السلطات العمومية، اقتحمت المقر في حدود الساعة الواحدة والنصف زوالاً لتنفيذ الإجراءات القانونية. وقامت القوة بوضع الأختام على الأبواب، معلنة بذلك توقف العمل في أحد آخر الفضاءات التي كانت تجمع عائلات الضحايا في البلاد.

واستند أعوان التنفيذ في إجراءاتهم إلى قرار رسمي مؤرخ في الثاني عشر من مارس 2026، والذي جاء ثمرة اجتماع أمني وإداري موسع عُقد قبل ذلك بيومين. وقد كُلفت عدة جهات سيادية بتنفيذ هذا القرار، شملت الأمين العام لولاية الجزائر ومندوب الوالي للمقاطعة الإدارية لسيدي امحمد، بالإضافة إلى قيادات في الدرك الوطني والأمن الولائي.

من جهتها، وصفت الجمعية في بيان لها هذه الخطوة بأنها «مفاجئة» وتستهدف شريحة واسعة من العائلات التي لا تزال تطالب بالكشف عن مصير ذويها. وأكد البيان أن إغلاق المقر يمثل محاولة لإسكات الأصوات المطالبة بالعدالة، وحرمان العائلات من الدعم النفسي والقانوني الذي كانت توفره المنظمة على مدار سنوات طويلة.

واعتبرت المنظمة أن هذا الإجراء سيؤدي بالضرورة إلى إعادة عائلات المفقودين إلى دائرة العزلة والتهميش المتعمد. كما وصفت القرار بأنه نوع من «العنف المؤسساتي» الذي يتجاهل المعاناة الإنسانية المستمرة منذ عقود، وينكر حق ذوي الضحايا في الوصول إلى الحقيقة التاريخية والقضائية حول ما جرى خلال سنوات الأزمة.

عملية الغلق لا تستهدف تنظيماً فقط، بل تمس بشكل مباشر عائلات المفقودين التي ما تزال تبحث عن الحقيقة والعدالة والاعتراف.

وتشتهر جمعية «أس أو أس مفقودين» بتنظيم وقفات احتجاجية دورية في ساحات العاصمة، حيث كانت الأمهات والزوجات يرفعن صور ذويهن المختفين. وقد شكلت هذه الوقفات على مدار سنوات وسيلة ضغط حقوقية للفت الانتباه الدولي والمحلي لقضية المختفين قسرياً، والتي تعد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الجزائري الحديث.

ويأتي قرار الإغلاق بعد أشهر قليلة من إجراءات مشددة طالت رئيسة الجمعية، الحقوقية نصيرة ديتور، التي منعت من دخول التراب الوطني. وكانت سلطات مطار الجزائر قد أعادت ديتور إلى باريس في يوليو الماضي، بعد احتجازها واستجوابها لعدة ساعات دون تقديم مبررات قانونية واضحة لهذا المنع الذي أثار استنكاراً واسعاً.

وتعد نصيرة ديتور من الوجوه الحقوقية البارزة، حيث ترأس أيضاً الاتحاد الأورو-متوسطي ضد الاختفاء القسري، وقد بدأ نضالها الشخصي عقب اختفاء ابنها في التسعينيات. ومنذ ذلك الحين، تحولت قضيتها الشخصية إلى قضية عامة تتبناها المنظمة للدفاع عن آلاف العائلات التي تشترك في ذات المصير المجهول لأبنائها.

وفي المقابل، تتمسك السلطات الجزائرية بموقفها القانوني المستند إلى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الذي تعتبره المرجعية النهائية لطي ملفات العشرية السوداء. وترى الحكومة أن هذا الميثاق قد عالج التبعات القانونية والاجتماعية للأزمة، بما في ذلك تعويض العائلات، معتبرة الملف مغلقاً من الناحية الرسمية والقضائية.

ورغم الموقف الرسمي، تواصل منظمات دولية وحقوقية التأكيد على أن الحق في معرفة الحقيقة لا يسقط بالتقادم ولا يمكن تجاوزه بقرارات إدارية. ويبقى ملف المفقودين في الجزائر جرحاً مفتوحاً يثير الجدل بين الرؤية السلطوية الساعية للاستقرار، والمطالب الحقوقية التي تنادي بفتح تحقيقات شفافة لتحديد المسؤوليات.