فخ التصعيد في الشرق الأوسط: حرب ‘اللاعقلانية’ تهدد الاقتصاد العالمي واستقرار القوى الكبرى

23 مارس 2026آخر تحديث :
فخ التصعيد في الشرق الأوسط: حرب ‘اللاعقلانية’ تهدد الاقتصاد العالمي واستقرار القوى الكبرى

تتصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط مع دخول المواجهة العسكرية ضد إيران أسبوعها الرابع، وسط مؤشرات على انزلاق الأطراف فيما يعرف بـ ‘فخ التصعيد’. وتتجلى ملامح اللاعقلانية في هذه الحرب من خلال سعي الحليف الإسرائيلي لتوريط الولايات المتحدة في نزاع غير قانوني، لم يحظَ بموافقة مجلس الأمن الدولي أو تفويض صريح من الكونغرس الأمريكي، مما يضع إدارة الرئيس ترامب في مواجهة مباشرة مع الدستور والقانون الدولي.

ميدانياً، كشفت تقارير عن نجاح عمليات اغتيال استهدفت هرم السلطة في طهران، شملت المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من قادة الصف الأول، من بينهم علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي. وتهدف هذه الضربات، بحسب مصادر مطلعة، إلى قطع الطريق أمام أي فرص للتفاوض الدبلوماسي مستقبلاً، في حين نجا المرشد الجديد مجتبى خامنئي من محاولة تصفية رغم إصابته في الضربة الأولى التي استهدفت مقر القيادة.

وعلى الرغم من تصريحات وزير الحرب الأمريكي، بيت هيغسيث، التي ادعى فيها تراجع القدرات الإيرانية وانهيار دفاعاتها الجوية، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تذبذب في وتيرة العمليات. وتظهر بيانات ‘سنتكوم’ أن إجمالي الأهداف المستهدفة تجاوز 7,000 هدف، لكن القوات الإيرانية لا تزال قادرة على الرد، وهو ما تجسد في الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز واستهداف منشآت حيوية في المنطقة.

اقتصادياً، تسببت الحرب في هزة عنيفة للأسواق العالمية، حيث قفز سعر برميل النفط إلى ما فوق 110 دولارات، مما دفع إدارة ترامب لاتخاذ خطوات متناقضة شملت رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الروسي والإيراني لضمان تدفق الإمدادات. هذا الارتباك يعكس سوء تقدير المخططين العسكريين لتداعيات إغلاق الممرات المائية الحيوية، وأثره المباشر على أسعار الوقود والكهرباء في أوروبا والولايات المتحدة.

داخلياً، يواجه الرئيس ترامب معارضة شعبية متزايدة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 60% من الأمريكيين يرفضون الاستمرار في هذه الحرب التي أدت لارتفاع سعر جالون البنزين إلى 4 دولارات. هذا الاستياء الشعبي يهدد الأغلبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، خاصة في ظل اتهامات تلاحق الإدارة بالفساد وسوء إدارة الأزمات الدولية.

الحرب الحالية هي حرب اختيار وأجندات وليست حرب ضرورة، حيث تنجرف الولايات المتحدة خلف رغبة إسرائيل في تصفية النظام الإيراني دون أهداف استراتيجية واضحة.

وفي سياق الضغوط الدولية، وجهت أطراف إقليمية، من بينها سلطنة عمان، رسائل تحذيرية لواشنطن بضرورة استعادة السيطرة على سياستها الخارجية وكف يد التصعيد الإسرائيلي. وأكدت مصادر دبلوماسية أن استمرار استهداف المنشآت الحيوية الإيرانية سيؤدي حتماً إلى ردود فعل انتقامية تطال مصالح الحلفاء، مما يجعل من التهدئة ضرورة قصوى لتجنب انهيار اقتصادي شامل.

وتستغل قوى دولية، وفي مقدمتها روسيا، حالة الانشغال الأمريكي بالصراع لتحقيق مكاسب استراتيجية وأرباح تاريخية من ارتفاع أسعار الطاقة. وفي الوقت الذي يصف فيه ترامب حلفاءه في ‘الناتو’ بـ ‘الجبناء’ لرفضهم المشاركة في تأمين الملاحة، تجد واشنطن نفسها معزولة في حرب تستنزف مواردها العسكرية، وهو ما أكده تسجيل هبوط اضطراري لطائرة إف-35 خلال مهمة قتالية مؤخراً.

إن الاستراتيجية الإيرانية الحالية ترتكز على مبدأ ‘البقاء برفع كلفة الحرب’، وهو ما تعتبره طهران انتصاراً في حد ذاته أمام آلة الحرب الأمريكية والإسرائيلية. ومع استمرار القصف المتبادل، تبتعد احتمالات تحقيق ‘انتصار سريع’ كما كان يأمل نتنياهو، وتتحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تهدد بتغيير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها.

ختاماً، يرى مراقبون أن المخرج الوحيد للأزمة يكمن في العودة إلى مسار التهدئة وفتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والغاز الخليجية العالقة. إن استمرار ‘فخ التصعيد’ لن يؤدي فقط إلى سقوط الأنظمة، بل قد يمتد أثره ليشمل إسقاط الاستقرار العالمي، مما يضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام مسؤولية تاريخية لفرض سردية الاستقرار بعيداً عن الأجندات الصفرية.