تشهد الأوساط العلمية والأمنية في الولايات المتحدة حالة من القلق المتزايد إثر رصد نمط متكرر من الوفيات وحالات الاختفاء الغامضة التي طالت باحثين وموظفين في منشآت بحثية حساسة. وتأتي هذه التطورات في ظل غياب التفسيرات الرسمية الواضحة من قبل السلطات، مما فتح الباب أمام تكهنات واسعة حول طبيعة هذه الحوادث وارتباطها بأبحاث استراتيجية متقدمة.
وكشفت تقارير صحفية دولية عن اتساع دائرة الغموض المحيطة بهذه السلسلة من الحوادث، مؤكدة أن عدد الحالات المسجلة ارتفع إلى ثمانية منذ تموز/ يوليو 2024. وأشارت المصادر إلى أن هذه الوقائع أثارت ارتباكاً داخل المؤسسات العلمية التي يعمل بها هؤلاء الخبراء، خاصة وأن بعضهم كان يشغل مناصب قيادية في مشاريع تقنية كبرى.
ومن أبرز الحالات التي تم تسليط الضوء عليها، وفاة العالم فرانك مايولد، الباحث البارز في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، والذي فارق الحياة في مدينة لوس أنجلوس عن عمر يناهز 61 عاماً. ورغم مكانته العلمية المرموقة، إلا أن وفاته التي حدثت في الرابع من يوليو 2024 لم يرافقها أي إعلان رسمي يوضح الأسباب الحقيقية وراء رحيله المفاجئ.
وأفادت مصادر مطلعة بأن السلطات الأمريكية قررت عدم إجراء تشريح لجثة العالم مايولد، وهو قرار أثار استغراب الكثيرين نظراً لحساسية الدور الذي كان يؤديه. كما التزمت وكالة ناسا الصمت المطبق حيال ملابسات الوفاة، ولم تصدر أي توضيحات علنية تنهي حالة الجدل السائدة في الأوساط البحثية.
وكان مايولد قد انضم إلى مختبر الدفع النفاث التابع لناسا منذ عام 1999، حيث تخصص في تطوير تقنيات متقدمة للأقمار الصناعية المخصصة لمسح الأرض والأجرام السماوية. وقد ساهمت أبحاثه في تعزيز القدرات التكنولوجية للولايات المتحدة في مجال المراقبة الفضائية والاستكشاف البعيد للمنظومة الشمسية.
وقبل وفاته بنحو عام، قاد مايولد فريقاً بحثياً نجح في التوصل إلى نتائج علمية وصفت بالثورية، تتعلق بإمكانية رصد مؤشرات الحياة في عوالم أخرى. وتركزت أبحاثه الأخيرة على أقمار المشتري وزحل، وتحديداً قمر ‘أوروبا’ وقمر ‘إنسيلادوس’، بالإضافة إلى الكوكب القزم ‘سيريس’، وهي مناطق تحظى باهتمام استراتيجي كبير.
وتقديراً لإسهاماته الفردية البارزة، حصل مايولد على لقب ‘باحث رئيسي’، وهو تكريم رفيع لا يُمنح إلا لقلة من العلماء المتميزين في مجالاتهم. ومع ذلك، فإن رحيله لم يحظَ بالتغطية التي تليق بمكانته، حيث اقتصر توثيق الواقعة على نعي مقتضب نُشر عبر شبكة الإنترنت دون تفاصيل إضافية.
تكرار هذه الحوادث، بين وفيات غير مفسرة واختفاءات غامضة، يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعتها وارتباطها بمجالات علمية شديدة الحساسية.
وفي سياق متصل، برزت حالة اختفاء غامضة داخل مختبر لوس ألاموس الوطني، الذي يعد واحداً من أهم مراكز الأبحاث النووية في العالم. هذا الاختفاء زاد من تعقيد المشهد، حيث يمثل المختبر ركيزة أساسية في برامج الأمن القومي والأبحاث الذرية الأمريكية، مما يجعل أي حادثة فيه محط اهتمام استخباراتي.
وتشير المعلومات إلى اختفاء أنتوني تشافيز، وهو موظف سابق في المختبر النووي كان قد تقاعد في عام 2017، حيث انقطعت أثاره تماماً في الرابع من مايو 2025. ولم تترك عملية الاختفاء أي أدلة مادية يمكن أن تقود المحققين إلى مكانه، مما عزز فرضية وجود ظروف غير طبيعية تحيط بالواقعة.
وأكدت شرطة لوس ألاموس أن جهود البحث عن تشافيز، البالغ من العمر 79 عاماً، لم تتوقف منذ الإبلاغ عن فقدانه، لكنها لم تسفر عن أي خيط يقود لمصيره. ويأتي هذا الاختفاء قبل أسابيع قليلة من تسجيل واقعة أخرى مشابهة داخل المنشأة ذاتها، مما يشير إلى وجود خلل أمني أو استهداف ممنهج.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الحوادث في فترة زمنية قصيرة لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة، خاصة وأن جميع الضحايا مرتبطون بمؤسسات تدير مشاريع علمية وتقنية بالغة الحساسية. وتتزايد الضغوط على الجهات الأمنية لتقديم إجابات واضحة حول ما إذا كانت هذه الحوادث مرتبطة بعمليات تجسس أو تصفية تستهدف العقول العلمية.
إن الغموض الذي يلف ملف الوفيات والاختفاءات يضع المؤسسات البحثية الأمريكية تحت المجهر، حيث يطالب أكاديميون بضرورة توفير حماية أكبر للعلماء المنخرطين في أبحاث استراتيجية. كما أن الصمت الرسمي المستمر قد يؤدي إلى تآكل الثقة في إجراءات السلامة المتبعة داخل هذه المراكز الحيوية.
وتشير التقارير إلى أن بعض العلماء الذين فقدوا حياتهم كانوا يعملون على تقنيات قد تغير موازين القوى العلمية، مثل أبحاث الفضاء العميقة والتقنيات النووية المتطورة. وهذا الارتباط الوثيق بين طبيعة العمل والوفاة الغامضة يعزز من فرضية التدخلات الخارجية أو العمليات السرية التي تستهدف تعطيل التقدم العلمي.
ختاماً، تبقى قضية علماء ناسا ومختبر لوس ألاموس مفتوحة على كافة الاحتمالات، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية أو ما قد تكشفه الأيام القادمة من تفاصيل جديدة. ومع استمرار غياب التوضيحات، يظل القلق هو سيد الموقف في الأروقة العلمية التي باتت تخشى على كوادرها من مصير مشابه.













