أفرزت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية صعود موجة جديدة من المشرعين التقدميين داخل أروقة الكونغرس، حيث حقق مرشحون يتبنون مواقف حازمة تجاه سياسات الاحتلال انتصارات لافتة. ودعا هؤلاء الفائزون صراحة إلى وقف الدعم العسكري المقدم للاحتلال أو إخضاعه لشروط صارمة، في تحول يعكس تنامي الأصوات الناقدة للسياسة الخارجية التقليدية لواشنطن.
ولم يقتصر هذا التقدم على مجلس النواب فحسب، بل امتد ليشمل مجلس الشيوخ ومؤسسات تشريعية محلية في عدة ولايات حيوية. وشهدت هذه الدورة الانتخابية وصول شخصيات من أصول عربية وفلسطينية إلى مراكز صنع القرار، مما يعكس اتساع القاعدة الشعبية للتيارات التي ظلت لسنوات طويلة بعيدة عن التمثيل الفعلي في المؤسسات الأمريكية.
برزت قوة هذه الموجة في ولايات كولورادو ونيويورك وميشيغان ونيوجيرسي، حيث تمكن مرشحون مدعومون من منظمات اشتراكية ديمقراطية من هزيمة شخصيات مخضرمة داخل الحزب الديمقراطي. واستندت حملاتهم الانتخابية إلى قضايا الرعاية الصحية وحقوق العمال، بالتوازي مع موقف مبدئي يطالب بإنهاء العدوان على قطاع غزة ووقف الانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
في ولاية كولورادو، حققت المرشحة الاشتراكية الديمقراطية ميلات كيروس مفاجأة كبرى بفوزها بمقعد الدائرة الأولى في مجلس النواب، مطيحة بالنائبة ديانا ديجيت التي شغلت المقعد منذ عام 1997. وجاء فوز كيروس، البالغة من العمر 29 عاماً، ليعزز حضور الجناح اليساري الذي يطالب بتغيير جذري في أولويات السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية.
جعلت كيروس من قضية فلسطين ركيزة أساسية في خطابها السياسي، حيث دعت بوضوح إلى وقف ما وصفته بـ ‘حرب الإبادة’ في غزة خلال خطاب فوزها بالانتخابات التمهيدية. كما تضمن برنامجها مطالب بإقرار نظام الرعاية الطبية للجميع ومواجهة نفوذ المال السياسي والشركات الكبرى في العملية الانتخابية، مما جذب قاعدة واسعة من الناخبين الشباب.
وفي ولاية نيويورك، تمكن ثلاثة مرشحين من التيار التقدمي من حسم مقاعدهم في مجلس النواب، وهم براد لاندر ودارياليزا أفيلا شيفالييه وكلير فالديز. وحظي هؤلاء المرشحون بدعم واسع من القوى الاشتراكية، وخاضوا معارك انتخابية شرسة ضد شخصيات تُعد من أبرز المدافعين عن سياسات الاحتلال داخل الكونغرس الأمريكي.
استطاع براد لاندر، المراقب المالي السابق لمدينة نيويورك، هزيمة النائب دان غولدمان المعروف بدعمه المطلق للاحتلال، متبنياً موقفاً يرفض تقديم مساعدات عسكرية إضافية لقوات الاحتلال. كما أيد لاندر مقترحات تشريعية تهدف إلى حظر إرسال أنواع معينة من الأسلحة الأمريكية التي تُستخدم في استهداف المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
دارياليزا أفيلا شيفالييه، السيناتورة التقدمية في الكونغرس (Photo by Michael M. Santiago/Getty Images)
دارياليزا أفيلا شيفالييه، السيناتورة التقدمية في الكونغرس (Photo by Michael M. Santiago/Getty Images)
عبدول السيد
عبدول السيد
من جانبها، نجحت الناشطة دارياليزا أفيلا شيفالييه، التي برز دورها في تنظيم الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لفلسطين بجامعة كولومبيا، في الفوز بمقعد الدائرة الثالثة عشرة في نيويورك. وجعلت شيفالييه من قضية غزة محوراً لحملتها، مؤكدة على ضرورة تغيير النهج الأمريكي تجاه الاحتلال، بعد أن أطاحت بالنائب المخضرم أدريانو إسبايلات في الانتخابات التمهيدية.
وفي ولاية ميشيغان، حقق الطبيب والناشط عبدول السيد إنجازاً تاريخياً بفوزه بمقعد في مجلس الشيوخ، ليصبح أول مسلم يصل إلى هذه المؤسسة التشريعية الرفيعة. وتغلب السيد على منافسه الجمهوري مايك روجرز، رغم حملات التشويه والضغوط الكبيرة التي مارستها مجموعات ضغط مؤيدة للاحتلال حاولت عرقلة وصوله منذ البداية.
تبنى عبدول السيد خطاباً صريحاً وصف فيه الحرب على غزة بأنها ‘إبادة جماعية’، مطالباً بوقف فوري للدعم العسكري الأمريكي لجيش الاحتلال. ورغم محاولات ربطه بجماعات سياسية خارجية لضرب شعبيته، إلا أن تركيزه على قضايا الرعاية الصحية الشاملة وخفض تكاليف المعيشة مكنه من حسم المعركة الانتخابية لصالحه.
ولاية نيوجيرسي شهدت أيضاً فوزاً تاريخياً للطبيب من أصول مصرية آدم حموي بمقعد مجلس النواب، ليكون أول مسلم وعربي يمثل الولاية في الكونغرس. حموي، الذي خدم كطبيب عسكري سابق، استلهم قراره بدخول العمل السياسي من تجربته في علاج مصابي العدوان بقطاع غزة خلال مهمة طبية إنسانية قام بها في عام 2024.
وعلى صعيد التمثيل الفلسطيني، فازت عبير قواس بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، لتصبح أول امرأة فلسطينية مسلمة تنال هذه العضوية في تاريخ الولاية. قواس، وهي ابنة لاجئين فلسطينيين، ركزت في برنامجها على حقوق المهاجرين وحماية المستأجرين، إلى جانب نشاطها المعروف في حملات تهدف لمنع تمويل انتهاكات الاحتلال من أموال دافعي الضرائب في نيويورك.
وفي سياق التحولات التاريخية، أصبحت كيشا لانس بوتومز أول امرأة سوداء تُنتخب حاكمة لولاية جورجيا، منهية سيطرة الجمهوريين على هذا المنصب التي استمرت لأكثر من عقدين. ورغم الإنفاق الهائل لمنافسها الجمهوري، إلا أن بوتومز نجحت في استقطاب الناخبين ببرنامج يركز على العدالة الاجتماعية وحماية حقوق التصويت والتغطية الصحية.
تؤكد هذه النتائج أن الخارطة السياسية الأمريكية تشهد تحولاً تدريجياً نحو قبول أصوات أكثر انتقاداً للاحتلال وأكثر انحيازاً للحقوق الفلسطينية. ويضع هذا الحضور المتزايد للتقدميين قيادة الحزب الديمقراطي أمام تحديات حقيقية لمراجعة سياساتها الخارجية، في ظل ضغط شعبي متزايد يطالب بإنهاء الشراكة العسكرية مع الاحتلال.













