تونس في مواجهة الانهيار: أزمة أخلاقية وتفكك مجتمعي يضرب مفاصل الدولة

18 فبراير 2026آخر تحديث :
تونس في مواجهة الانهيار: أزمة أخلاقية وتفكك مجتمعي يضرب مفاصل الدولة

تسيطر حالة من الصدمة على الشارع التونسي عقب فضيحة مدوية شهدتها إحدى رياض الأطفال في العاصمة، مما أعاد تسليط الضوء على أزمة أخلاقية واجتماعية بالغة التعقيد. يرى مراقبون أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي انعكاس لحالة من الفوضى والإهمال التي باتت تهدد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي في البلاد بشكل غير مسبوق.

في المؤسسات التربوية، تحولت المدارس والمعاهد من منارات للعلم إلى ساحات للتسيب، حيث انتشر مروجو المخدرات في محيطها بشكل علني. وتصاعدت وتيرة الاعتداءات الجسدية واللفظية ضد الكوادر التعليمية من قبل التلاميذ وأوليائهم، في ظاهرة تعكس تراجع هيبة المؤسسة التربوية وفقدان الاحترام المتبادل داخل الحرم المدرسي.

أما القطاع الصحي، فيعاني من تدهور حاد في جودة الخدمات والنظافة رغم الكفاءة المشهودة للأطباء التونسيين. وقد دفع غياب الأمن داخل المستشفيات وتعرض الأطقم الطبية للضرب والإهانة الكثير من الكفاءات إلى الهجرة القسرية بحثاً عن بيئة عمل تحترم كرامتهم وتضمن سلامتهم المهنية.

الإدارة التونسية لم تكن بمنأى عن هذا التراجع، حيث يشتكي المراجعون من البيروقراطية المعقدة والتعامل الفظ من قبل الموظفين. وتتزايد التقارير حول تفشي الرشوة والمحسوبية، فضلاً عن ظاهرة الغياب المتكرر عن مواقع العمل، مما يؤدي إلى تعطيل مصالح المواطنين وتراكم المعاملات البسيطة لأسابيع طويلة.

في شوارع العاصمة، يبرز التلوث البصري والبيئي كعنوان للمرحلة، حيث تراكمت النفايات واحتلت السيارات والمقاهي الأرصفة المخصصة للمشاة دون تراخيص قانونية. وقد تحولت شوارع رئيسية إلى أسواق عشوائية تعج بالبسطات، مما أدى إلى تشويه المظهر الحضاري للمدينة وإرباك الحركة التجارية والمحلات النظامية.

هناك انهيار في كل شيء وتدهور في السلوكيات مريع، وهناك استهتار مجتمعي متصاعد بشيء اسمه القانون أو النظام أو الاحترام المتبادل.

على الصعيد الأمني، يسجل المجتمع التونسي ارتفاعاً مخيفاً في معدلات الجريمة المنظمة والسرقات بالإكراه باستخدام الأسلحة البيضاء. وتثير قضايا الاغتصاب الوحشية وحالات الانتحار، التي طالت حتى فئة الأطفال، قلقاً واسعاً حول الحالة النفسية والاجتماعية التي وصل إليها المواطن في ظل الضغوط المعيشية المتزايدة.

قطاع النقل العام يعيش هو الآخر حالة من الشلل، حيث يواجه المسافرون ازدحاماً خانقاً وتهالكاً في أسطول الحافلات والقطارات. ولا يقتصر الأمر على النقل البري، بل يمتد إلى المطارات التي باتت تشهد تأخيرات طويلة في تسليم الأمتعة، مع تكرار حوادث فتح الحقائب وسرقة محتوياتها دون وجود رقابة صارمة أو محاسبة للمقصرين.

دفعت هذه المظاهر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي لإطلاق حملات رقمية مثل ‘علاش هكّا’ لتوثيق التجاوزات اليومية بالصوت والصورة. وتهدف هذه المبادرات إلى تحريك الضمير الجمعي ومساءلة المسؤولين الذين يبدو أنهم تطبعوا مع مظاهر الانحلال، في وقت تقارن فيه النخب بين وضع تونس الحالي ونماذج عربية أخرى حققت قفزات نوعية.

تتحمل القيادة السياسية الحالية المسؤولية الكبرى عن هذا التدهور، حيث انصرفت لتثبيت أركان حكمها وملاحقة المعارضين بدلاً من فرض النظام والقانون. ويرى محللون أن غياب الرؤية التنموية الشاملة وتكريس خطاب الكراهية ساهم في تعميق حالة الإحباط واللامبالاة، مما حول الغضب الشعبي إلى سلوكيات عدوانية تهدد مستقبل الدولة.