دبلوماسية مكوكية في جنيف: ويتكوف وكوشنر يقودان مفاوضات متزامنة لملفي إيران وأوكرانيا

18 فبراير 2026آخر تحديث :
دبلوماسية مكوكية في جنيف: ويتكوف وكوشنر يقودان مفاوضات متزامنة لملفي إيران وأوكرانيا

أثارت التحركات الدبلوماسية الأخيرة التي كلف بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبعوثيه المفضلين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، حالة من الجدل في الأوساط السياسية الدولية. فقد شهدت مدينة جنيف السويسرية جولات مكوكية مكثفة قادها الثنائي للتنقل بين ملفين من أعقد الأزمات العالمية في يوم واحد، وهما الملف النووي الإيراني والحرب الروسية الأوكرانية.

ويرى مراقبون أن هذا النهج يعكس ولع ترامب بإبرام الصفقات الكبرى وسعيه الحثيث لتحقيق إنجازات دبلوماسية سريعة قد تؤهله للحصول على جائزة نوبل للسلام. ومع ذلك، فإن تزامن المفاوضات في مكان واحد وتوقيت متقارب أثار تساؤلات حول القدرة على التركيز وتحقيق نتائج ملموسة في قضايا طال أمدها وتعقدت مساراتها.

بدأت الفعاليات الدبلوماسية في جنيف بالتركيز على الملف الإيراني، حيث جرت محادثات غير مباشرة استمرت لنحو ثلاث ساعات ونصف بين الفريق الأمريكي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وقد تمت هذه المباحثات بوساطة عُمانية وفي ظل إجراءات أمنية مشددة، حيث أشار المشاركون إلى إحراز تقدم طفيف دون الوصول إلى اتفاق نهائي وشيك.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن استمرار المسار الدبلوماسي يمنح واشنطن مساحة للمناورة، حيث يواصل ترامب تعزيز الحشد العسكري بالقرب من إيران لإيصال رسالة مفادها أن الخيار العسكري لا يزال قائماً. هذا التوتر المستمر يبقي منطقة الشرق الأوسط في حالة ترقب، وسط مخاوف من انزلاق الأمور إلى مواجهة إقليمية شاملة.

ولم يكد الوفد الأمريكي ينهي اجتماعاته المتعلقة بإيران حتى انتقل مباشرة إلى فندق إنتركونتيننتال لبدء جولة مفاوضات أخرى تتعلق بالأزمة الأوكرانية. وتهدف هذه المحادثات، التي من المقرر أن تستمر لمدة يومين، إلى البحث عن صيغة لوقف الحرب التي وعد ترامب بإنهاء فتيلها في وقت قياسي خلال حملته الانتخابية.

وعلى الرغم من الزخم الإعلامي المحيط بهذه اللقاءات، إلا أن التوقعات بتحقيق انفراجة كبرى في الملف الأوكراني تظل منخفضة لدى الكثير من المحللين. وتعد هذه الحرب الأكبر في القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مما يجعل التوصل إلى تسوية سريعة أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد.

وانتقد خبراء في السياسة الخارجية، من بينهم مستشارون سابقون في إدارة أوباما، هذا الأسلوب الذي وصفوه بالتركيز على الكمية بدلاً من الجودة الدبلوماسية. وأشاروا إلى أن معالجة قضيتين بحجم إيران وأوكرانيا في آن واحد قد يؤدي إلى تشتيت الجهود وإضعاف الموقف التفاوضي الأمريكي أمام خصوم مخضرمين.

تكليف فريق مكون من ويتكوف وكوشنر بحلّ جميع مشكلات العالم واقع صادم، بكل صراحة.

وفي سياق متصل، أعربت مصادر إقليمية مقربة من طهران عن شكوكها في صدق النوايا الأمريكية، مشبهة الوضع بغرفة طوارئ تحاول علاج مريضين في حالة حرجة بطبيب واحد. هذا التشبيه يعكس القلق من أن يؤدي غياب الرعاية المستمرة لكل ملف على حدة إلى فشل ذريع في المسارين معاً.

كما لفت محللون الانتباه إلى خلفية المبعوثين ويتكوف وكوشنر، اللذين ينتميان إلى عالم العقارات في نيويورك، معتبرين أنهما يفتقران إلى العمق السياسي اللازم لمواجهة مفاوضين محترفين. ولوحظ بشكل بارز غياب وزير الخارجية ماركو روبيو عن هذه المحادثات، رغم خبرته الواسعة في شؤون السياسة الدولية.

من جانبه، دافع البيت الأبيض عبر المتحدثة آنا كيلي عن هذا النهج، مؤكدة أن ترامب وفريقه يبذلون جهوداً استثنائية لتقريب وجهات النظر ووقف نزيف الدماء. ورفضت كيلي الانتقادات الموجهة للفريق، مشددة على أن الهدف الأسمى هو إبرام اتفاقات سلام دائمة تنهي الصراعات المشتعلة.

ويعتمد المدافعون عن ويتكوف وكوشنر على نجاحاتهما السابقة في إبرام صفقات غير تقليدية، مثل اتفاقات أبراهام وجهود الوساطة في حرب غزة. ويرون أن الثقة المطلقة التي يوليها الرئيس لهما تمنحهما سلطة اتخاذ قرار تتجاوز البيروقراطية التقليدية التي فشلت في حل هذه الأزمات لسنوات طويلة.

إلا أن تقليص كوادر وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي في عهد ترامب أثار مخاوف إضافية حول الدعم الفني واللوجستي المتاح لهؤلاء المبعوثين. فالدبلوماسية الناجحة تتطلب جيشاً من الخبراء والمستشارين لصياغة التفاصيل الدقيقة للاتفاقات، وهو ما قد يفتقر إليه الفريق الحالي في ظل الهيكلة الجديدة.

ويبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت هذه ‘الدبلوماسية المكوكية’ ستنجح في كسر الجمود الدولي، أم أنها ستكون مجرد استعراض سياسي ينتهي دون نتائج حقيقية. فالأيام القادمة في جنيف ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقات الأمريكية مع كل من موسكو وطهران في المرحلة المقبلة.

ختاماً، يترقب المجتمع الدولي نتائج هذه اللقاءات بحذر شديد، حيث أن أي فشل في جنيف قد يؤدي إلى تصعيد عسكري في أوكرانيا أو مواجهة نووية مع إيران. وتظل قدرة ‘رجال الصفقات’ لدى ترامب على ترويض هذه الأزمات الكبرى تحت مجهر الاختبار الحقيقي أمام العالم أجمع.